Monday, February 25, 2013

أنواع الحب ومراتبه


 أنواع الحب ومراتبه
 
 
تفاصيل الإستشارة
ياسر الهواري
هناك حب يتعلق بحب الإنسان لنفسه وأحياناً حبه لأسرته وربما تتسع دائرة الحب لتشمل أفراد المجتمع ثم تتسع بعد ذلك لتشمل المجتمع الإنساني بصفة عامة وقد ترتقي من حب الإنسان إلى حب الكون الذي يعيش فيه ؛ فهل هذا كله داخل في حب الله سبحانه وتعالى ؟؟
العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي
2007-02-14
الاجابه
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

هذه الدوائر يؤثر بعضها في بعض، أول ما يُطلب من الإنسان المسلم أن يحب الله عز وجل، هذا هو أعلى أنواع الحب ،فالإنسان يحب الله عز وجل حبه للجمال لأنه مصدر كل جمال في هذا الكون وكل ما في هذا الكون من حسن وجمال هو من الله تعالى (الذي أحسن كل شيء خلقه)( صنع الله الذي أتقن كل شيء).

فالمؤمن يرى جمال الله في كل ما خلق، فيحب الجمال ويحب الكمال ويحب الإحسان لأن الإنسان مغمور بإحسان الله من قرنه إلى قدمه (وإن تعدُّوا نعمة الله لا تحصوها) فأول ما يجب أن يحبه الإنسان هو حب الله تعالى ؛ ولذلك لما ذكر القرآن الحب، ذكر حب الله قبل كل شيء، من مثل قوله تعالى (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله)وقوله تعالى (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه).

والأحاديث كثيرة فالنبي صلى الله عليه وسلم حينما جاءه رجل وقال: يا رسول الله متى الساعة؟ فقال: "وماذا أعددت لها؟" قال: والله ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام غير أني أحب الله ورسوله، فقال: "أبشر ؛أنت مع من أحببت" قال أنس: فما فرح الصحابة بشيء فرحهم بهذا الحديث لأنهم يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يكونون معه إن شاء الله، فحب الله وحب رسول الله بصفته أنه هو الذي جاءنا بالهداية وهو الذي أخرجنا من الظلمات إلى النور وهو الذي هدانا إلى الصراط المستقيم، نحب رسول الله كما قال "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" .

أما حب الطبيعة فالمسلم يحب الطبيعة لأنها خلق الله وهي مصدر الخير للإنسان ومصدر النعم للإنسان وقد مهَّدها الله سبحانه وتعالى للإنسان وجعل الأرض فراشاً والسماء بناء وجعل الأرض ذلولاً ؛ لذا فهناك مودة بين المسلم وبين الطبيعة، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاء من إحدى الغزوات وظهر جبل أحد قال لهم: "هذا أحد جبل يحبنا ونحبه" انظر إلى هذه العبارة الرقيقة مع أنه قد وقعت بجواره معركة وخسر فيها المسلمون.

والمسلم يحب الحياة ولا يعتبر الحياة مثلما اعتبرها "ماني" الفيلسوف الفارسي القديم شراً ،والعالم شراً، ويجب التخلص من هذا الشر بالتعجيل بفناء العالم بعدم الزواج وعدم الاستمتاع بالحياة لينتهي الناس من شر الحياة، لا .. فالمسلم يرى العالم خيراً ويرى أن كل يوم يعيشه لن يزيد المؤمن من عمره إلا خيراً؛ ولذلك نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله الموت، قال: "لا يتمنى أحدكم الموت" لضر نزل به ولكن يقول "اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي" .

والحب أنواع ومراتب ؛وأعظم أنواع الحب هو الحب في الله، بمعنى أن يحب الإنسان غيره لا لمنفعة ولا لشهوة ولا لقرابة ولا لخدمة أدَّاها له ولكن يحبه لله .

ولذلك جاء في صحيح مسلم أن رجلاً أراد أن يزور رجلاً فأرسل الله له على مدرجته ملكاً في الطريق في صورة رجل وسأله: أين تذهب؟ قال: أريد أن أزور أخي فلاناً، قال: ألقرابة بينك وبينه؟ قال: لا، قال: أفبنعمة له عندك؟ ـ أي قدم لك خدمة فأنت ذاهب لتكافئه، أي خدمة بخدمة وإحسانًا بإحسان؟ ـ قال: لا، قال: فما الذي .. قال: أحبه لله، قال: أبشِر فإن الذي تحبه من أجله بعثني لأبشرك بأنه يحبك لحبك إياه، هذا التحاب في الله والذي جاء فيه الحديث "رجلان تحابا في الله عز وجل اجتمعا عليه وتفرقا عليه" اجتمعا على الحب في الله وتفرقا على الحب في الله، وهؤلاء يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وفي الحديث القدسي: "وجبت محبتي للمتاحبين من أجلي ووجبت محبتي للمتبادلين من أجلي ووجبت محبتي للمتزاورين من أجلي" فهؤلاء الذين يتحابون من أجل الله هم الذين جاء في ذكرهم القرآن الكريم (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما روى أبو مالك الأشعري أنه قال "إن من عباد الله من ليسوا بأنبياء ولا بشهداء يغبطهم النبيون والشهداء لمكانتهم من الله عز وجل" فقام رجل أعرابي من قاصية القوم ـمن بعيد ـ وألوى بيده وقال: يا رسول الله صفهم لنا ـ جلِّهم لنا فمن هم هؤلاء الناس الذين ليسوا بأنبياء ولا شهداء ويغبطهم ويتمنى الأنبياء والشهداء أن يكونوا في مكانهم؟ ـ قال: "هم قوم تحابوا بروح الله عز وجل على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها فو الله إن وجوههم لعلى نور وإنهم لعلى منابر من نور يخاف الناس يوم القيامة وهم لا يخافون ويفزع الناس وهم لا يفزعون وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" .

والله أعلم .









Monday, February 4, 2013

وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا



وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا...


وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ


يقول تعالى: وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك { أوحينا إليك قرآناً عربياً} أي واضحاً جلياً بيِّناً { لتنذر أم القرى} وهي مكة، { ومن حولها} أي من سائر البلاد شرقا وغربا؛ وسميت مكة أم القرى لأنها أشرف من سائر البلاد لأدلة كثيرة منها قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (واللّه إنك لخير أرض اللّه، وأحب أرض اللّه إلى اللّه، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت) ""أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن صحيح"". وقوله عزَّ وجلَّ: { وتنذر يوم الجمع} وهو يوم القيامة يجمع اللّه الأولين والآخرين في صعيد واحد، وقوله تعالى: { لا ريب فيه} أي لاشك في وقوعه وأنه كائن لا محالة، { فريق في الجنة وفريق في السعير} ، كقوله تعالى: { يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن} أي يغبن أهل الجنة أهل النار، وكقوله عزَّ وجلَّ: { يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد} . روى الإمام أحمد، عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما قال: خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفي يديه كتابان، فقال: (أتدرون ما هذان الكتابان؟) قلنا: لا، إلا أن تخبرنا يا رسول اللّه، قال صلى اللّه عليه وسلم للذي في يمينه: (هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً، ثم قال صلى اللّه عليه وسلم للذي في يساره: (هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم)، ثم أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً، فقال أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: فلأي شيء نعمل إن كان هذا أمر قد فرغ منه؟ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (سدّدوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل)، ثم قال صلى اللّه عليه وسلم بيده فقبضها، ثم قال: (فرغ ربكم عزَّ وجلَّ من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى وقال فريق في السعير) ""أخرجه أحمد والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب"". وقوله تبارك وتعالى: { ولو شاء اللّه لجعلهم أمة واحدة} أي إما على الهداية أو على الضلالة، ولكنه تعالى فاوت بينهم، فهدى من يشاء إلى الحق، وأضل من يشاء عنه، وله الحكمة والحجة البالغة، ولهذا قال عزَّ وجلَّ: { ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير} وقال ابن جرير: إن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب خلقك الذين خلقتهم، جعلت منهم فريقاً في الجنة وفريقاً في النار، لو ما أدخلتهم كلهم الجنة؟ فقال: يا موسى ارفع درعك، فرفع، قال: قد رفعت، قال: ارفع، فرفع، فلم يترك شيئاً، قال يا رب قد رفعت، قال: ارفع، قال: قد رفعت، إلا ما لا خير فيه، قال: كذلك أدخل خلقي كلهم الجنة إلا ما لا خير فيه ""أخرجه ابن جرير من حديث عمرو بن أبي سويد"".

{ وكذلك } مثل ذلك الإيحاء { أوحينا إليك قرآناً عربيا لتنذر } تخوّف { أم القرى ومن حولها } أي أهل مكة وسائر الناس { وتنذر } الناس { يوم الجمع } يوم القيامة فيه الخلائق { لا ريب } شك { فيه فريق } منهم { في الجنة وفريقٌ في السعير } النار .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْك قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَهَكَذَا { أَوْحَيْنَا إِلَيْك } يَا مُحَمَّد { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } بِلِسَانِ الْعَرَب ; لِأَنَّ الَّذِينَ أَرْسَلْنَاك إِلَيْهِمْ قَوْم عَرَب , فَأَوْحَيْنَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن بِأَلْسِنَتِهِمْ ; لِيَفْهَمُوا مَا فِيهِ مِنْ حُجَج اللَّه وَذِكْره ; لِأَنَّا لَا نُرْسِل رَسُولًا إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمه , لِيُبَيِّنَ لَهُمْ { لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى } وَهِيَ مَكَّة { وَمَنْ حَوْلهَا } يَقُول : وَمَنْ حَوْل أُمّ الْقُرَى مِنْ سَائِر النَّاس. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23643 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { لِتُنْذِر أُمَّ الْقُرَى } قَالَ : مَكَّة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْك قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَهَكَذَا { أَوْحَيْنَا إِلَيْك } يَا مُحَمَّد { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } بِلِسَانِ الْعَرَب ; لِأَنَّ الَّذِينَ أَرْسَلْنَاك إِلَيْهِمْ قَوْم عَرَب , فَأَوْحَيْنَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن بِأَلْسِنَتِهِمْ ; لِيَفْهَمُوا مَا فِيهِ مِنْ حُجَج اللَّه وَذِكْره ; لِأَنَّا لَا نُرْسِل رَسُولًا إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمه , لِيُبَيِّنَ لَهُمْ { لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى } وَهِيَ مَكَّة { وَمَنْ حَوْلهَا } يَقُول : وَمَنْ حَوْل أُمّ الْقُرَى مِنْ سَائِر النَّاس. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23643 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { لِتُنْذِر أُمَّ الْقُرَى } قَالَ : مَكَّة . ' وَقَوْله : { وَتُنْذِر يَوْم الْجَمْع } يَقُول عَزَّ وَجَلَّ : وَتُنْذِر عِقَاب اللَّه فِي يَوْم الْجَمْع عِبَاده لِمَوْقِفِ الْحِسَاب وَالْعَرْض , وَقِيلَ : وَتُنْذِر يَوْم الْجَمْع , وَالْمَعْنَى : وَتُنْذِرهُمْ يَوْم الْجَمْع , كَمَا قِيلَ : يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ , وَالْمَعْنَى : يُخَوِّفكُمْ أَوْلِيَاءَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23644 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { وَتُنْذِر يَوْم الْجَمْع } قَالَ : يَوْم الْقِيَامَة. وَقَوْله : { لَا رَيْب فِيهِ } يَقُول : لَا شَكَّ فِيهِ .وَقَوْله : { وَتُنْذِر يَوْم الْجَمْع } يَقُول عَزَّ وَجَلَّ : وَتُنْذِر عِقَاب اللَّه فِي يَوْم الْجَمْع عِبَاده لِمَوْقِفِ الْحِسَاب وَالْعَرْض , وَقِيلَ : وَتُنْذِر يَوْم الْجَمْع , وَالْمَعْنَى : وَتُنْذِرهُمْ يَوْم الْجَمْع , كَمَا قِيلَ : يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ , وَالْمَعْنَى : يُخَوِّفكُمْ أَوْلِيَاءَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23644 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { وَتُنْذِر يَوْم الْجَمْع } قَالَ : يَوْم الْقِيَامَة. وَقَوْله : { لَا رَيْب فِيهِ } يَقُول : لَا شَكَّ فِيهِ .' وَقَوْله : { فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير } يَقُول : مِنْهُمْ فَرِيق فِي الْجَنَّة , وَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاتَّبَعُوا مَا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُوله { وَفَرِيق فِي السَّعِير } يَقُول : وَمِنْهُمْ فَرِيق فِي الْمُوقَدَة مِنْ نَار اللَّه الْمَسْعُورَة عَلَى أَهْلهَا , وَهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ , وَخَالَفُوا مَا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُوله , وَقَدْ : * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِي قَبِيل الْمَعَافِرِيّ , عَنْ شُفَيّ الْأَصْبَحِيّ , عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي يَده كِتَابَانِ , فَقَالَ : " هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ " فَقُلْنَا : لَا , إِلَّا أَنْ تُخْبِرنَا يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : " هَذَا كِتَاب مِنْ رَبّ الْعَالَمِينَ , فِيهِ أَسْمَاء أَهْل الْجَنَّة , وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ وَقَبَائِلهمْ " , ثُمَّ أُجْمِلَ , عَلَى آخِرهمْ , " فَلَا يُزَاد فِيهِمْ وَلَا يُنْقَص مِنْهُمْ أَبَدًا , وَهَذَا كِتَاب أَهْل النَّار بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ " , ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرهمْ , " فَلَا يُزَاد وَلَا يُنْقَص مِنْهُمْ أَبَدًا " , قَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَفِيمَ إِذَنْ نَعْمَل إِنْ كَانَ هَذَا أَمْر قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَلْ سَدِّدُوا وَقَارِبُوا , فَإِنَّ صَاحِب الْجَنَّة يُخْتَم لَهُ بِعَمَلِ الْجَنَّة وَإِنْ عَمِلَ أَيّ عَمَل , وَصَاحِب النَّار يُخْتَم لَهُ بِعَمَلِ النَّار وَإِنْ عَمِلَ أَيّ عَمَل , فَرَغَ رَبّكُمْ مِنْ الْعِبَاد " ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا : " فَرَغَ رَبّكُمْ مِنَ الْخَلْق , فَرِيق فِي الْجَنَّة , وَفَرِيق فِي السَّعِير " قَالُوا : سُبْحَان اللَّه , فَلِمَ نَعْمَل وَنَنْصَب ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْعَمَل إِلَى خَوَاتِمه ". 23645 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث وَحَيْوَة بْن شُرَيْح , عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي أُسَيْد , أَنَّ أَبَا فِرَاس حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يَقُول : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَمَّا خَلَقَ آدَم نَفَضَهُ نَفْض الْمِزْوَد , فَأَخْرَجَ مِنْهُ كُلّ ذُرِّيَّة , فَخَرَجَ أَمْثَال النَّغَف , فَقَبَضَهُمْ قَبْضَتَيْنِ , ثُمَّ قَالَ : شَقِيّ وَسَعِيد , ثُمَّ أَلْقَاهُمَا , ثُمَّ قَبَضَهُمَا فَقَالَ : { فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير } . 23646 - قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِي شَبُّويَة , حَدَّثَهُ عَنْ ابْن حُجَيْرَة أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مُوسَى قَالَ : يَا رَبّ خَلْقك الَّذِينَ خَلَقْتهمْ , جَعَلْت مِنْهُمْ فَرِيقًا فِي الْجَنَّة , وَفَرِيقًا فِي السَّعِير , لَوْ مَا أَدْخَلْتهمْ كُلّهمُ الْجَنَّة قَالَ : يَا مُوسَى ارْفَعْ زَرْعك , فَرَفَعَ , قَالَ : قَدْ رَفَعْت , قَالَ : ارْفَعْ , فَرَفَعَ , فَلَمْ يَتْرُك شَيْئًا , قَالَ : يَا رَبّ قَدْ رَفَعْت , قَالَ : ارْفَعْ , قَالَ : قَدْ رَفَعْت إِلَّا مَا لَا خَيْر فِيهِ , قَالَ : كَذَلِكَ أُدْخِل خَلْقِي كُلّهمُ الْجَنَّة إِلَّا مَا لَا خَيْر فِيهِ , وَقِيلَ : { فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير } فَرَفَعَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام قَبْل ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { لِتُنْذِر أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا } بِالنَّصْبِ ; لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الِابْتِدَاء , كَمَا يُقَال : رَأَيْت الْعَسْكَر مَقْتُول أَوْ مُنْهَزِم , بِمَعْنَى : مِنْهُمْ مَقْتُول , وَمِنْهُمْ مُنْهَزِم .وَقَوْله : { فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير } يَقُول : مِنْهُمْ فَرِيق فِي الْجَنَّة , وَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاتَّبَعُوا مَا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُوله { وَفَرِيق فِي السَّعِير } يَقُول : وَمِنْهُمْ فَرِيق فِي الْمُوقَدَة مِنْ نَار اللَّه الْمَسْعُورَة عَلَى أَهْلهَا , وَهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ , وَخَالَفُوا مَا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُوله , وَقَدْ : * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِي قَبِيل الْمَعَافِرِيّ , عَنْ شُفَيّ الْأَصْبَحِيّ , عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي يَده كِتَابَانِ , فَقَالَ : " هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ " فَقُلْنَا : لَا , إِلَّا أَنْ تُخْبِرنَا يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : " هَذَا كِتَاب مِنْ رَبّ الْعَالَمِينَ , فِيهِ أَسْمَاء أَهْل الْجَنَّة , وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ وَقَبَائِلهمْ " , ثُمَّ أُجْمِلَ , عَلَى آخِرهمْ , " فَلَا يُزَاد فِيهِمْ وَلَا يُنْقَص مِنْهُمْ أَبَدًا , وَهَذَا كِتَاب أَهْل النَّار بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ " , ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرهمْ , " فَلَا يُزَاد وَلَا يُنْقَص مِنْهُمْ أَبَدًا " , قَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَفِيمَ إِذَنْ نَعْمَل إِنْ كَانَ هَذَا أَمْر قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَلْ سَدِّدُوا وَقَارِبُوا , فَإِنَّ صَاحِب الْجَنَّة يُخْتَم لَهُ بِعَمَلِ الْجَنَّة وَإِنْ عَمِلَ أَيّ عَمَل , وَصَاحِب النَّار يُخْتَم لَهُ بِعَمَلِ النَّار وَإِنْ عَمِلَ أَيّ عَمَل , فَرَغَ رَبّكُمْ مِنْ الْعِبَاد " ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا : " فَرَغَ رَبّكُمْ مِنَ الْخَلْق , فَرِيق فِي الْجَنَّة , وَفَرِيق فِي السَّعِير " قَالُوا : سُبْحَان اللَّه , فَلِمَ نَعْمَل وَنَنْصَب ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْعَمَل إِلَى خَوَاتِمه ". 23645 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث وَحَيْوَة بْن شُرَيْح , عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي أُسَيْد , أَنَّ أَبَا فِرَاس حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يَقُول : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَمَّا خَلَقَ آدَم نَفَضَهُ نَفْض الْمِزْوَد , فَأَخْرَجَ مِنْهُ كُلّ ذُرِّيَّة , فَخَرَجَ أَمْثَال النَّغَف , فَقَبَضَهُمْ قَبْضَتَيْنِ , ثُمَّ قَالَ : شَقِيّ وَسَعِيد , ثُمَّ أَلْقَاهُمَا , ثُمَّ قَبَضَهُمَا فَقَالَ : { فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير } . 23646 - قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِي شَبُّويَة , حَدَّثَهُ عَنْ ابْن حُجَيْرَة أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مُوسَى قَالَ : يَا رَبّ خَلْقك الَّذِينَ خَلَقْتهمْ , جَعَلْت مِنْهُمْ فَرِيقًا فِي الْجَنَّة , وَفَرِيقًا فِي السَّعِير , لَوْ مَا أَدْخَلْتهمْ كُلّهمُ الْجَنَّة قَالَ : يَا مُوسَى ارْفَعْ زَرْعك , فَرَفَعَ , قَالَ : قَدْ رَفَعْت , قَالَ : ارْفَعْ , فَرَفَعَ , فَلَمْ يَتْرُك شَيْئًا , قَالَ : يَا رَبّ قَدْ رَفَعْت , قَالَ : ارْفَعْ , قَالَ : قَدْ رَفَعْت إِلَّا مَا لَا خَيْر فِيهِ , قَالَ : كَذَلِكَ أُدْخِل خَلْقِي كُلّهمُ الْجَنَّة إِلَّا مَا لَا خَيْر فِيهِ , وَقِيلَ : { فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير } فَرَفَعَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام قَبْل ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { لِتُنْذِر أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا } بِالنَّصْبِ ; لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الِابْتِدَاء , كَمَا يُقَال : رَأَيْت الْعَسْكَر مَقْتُول أَوْ مُنْهَزِم , بِمَعْنَى : مِنْهُمْ مَقْتُول , وَمِنْهُمْ مُنْهَزِم .'

قوله تعالى: { وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا} أي وكما أوحينا إليك وإلى من قبلك هذه المعاني فكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا بيناه بلغة العرب. قيل : أي أنزلنا عليك قرآنا عربيا بلسان قومك؛ كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه. والمعنى واحد. { لتنذر أم القرى} يعني مكة. قيل لمكة أم القرى لأن الأرض دحيت من تحها. { ومن حولها} من سائر الخلق. { وتنذر يوم الجمع} أي بيوم الجمع، وهو يوم القيامة. { لا ريب فيه} لا شك فيه. { فريق في الجنة وفريق في السعير} ابتداء وخبر. وأجاز الكسائي النصب على تقدير : لتنذر فريقا في الجنة وفريقا في السعير.

قوله تعالى (كذلك) أي: كهذا الوحي الذي سبق { أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً } [الشورى: 7] سُمي قرآناً لأنه مقروء، وسُمِّي الكتاب لأنه مكتوب مُسطر في كتاب، ووصِف بأنه عربي لأنه بحروف وبلسان عربي مبين، وعربي منسوب إلى العرب، وقلنا: إن اللغة ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، وأنها بنت المحاكاة، فما سمعتْه الأذن يحكيه اللسان.
وليست اللغة جنساً ولا دماً، بدليل أن الولد العربي لو عاش في بيئة أجنبية يتكلم نفس لغتها، لأن اللغة تقليد ومحاكاة تعتمد على التلقِّي والتقليد، حتى في لغتك التي تتكلم بها يطرأ عليك اللفظ فلا ترعف معناه، لماذا؟ لأنك لم تسمعه من قبل.
لذلك نقول: إن التلقين في اللغة دليل على صدق الحق سبحانه فيما قال:
{  وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا }
[البقرة: 31] فالله تعالى هو أول معلم للبشر، وإلا فمضنْ علَّم آدم الأسماء والحروف والكلمات؟
بعض المستشرقين وقف عند هذه الآية، وقال: كيف يكون القرآن عربياً وفيه كلمات كثيرة من غير العربية، فيه من لغة الرومان ومن لغة الفرس والحبشة؟ ونقول: معنى { قُرْآناً عَرَبِيّاً } [الشورى: 7] أي: نزل بكلمات دارتْ على ألسنة العرب وتُدُووِلَتْ بينهم قبل نزول القرآن، فصارت من لغتهم، ثم كم هي هذه الكلمات بالنسبة لكلمات القرآن؟
إذن: فالقرآن عربي، والله تعالى يقول:
{  وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ }
[إبراهيم: 4] يعني: يتلقون عنه ويفهمون منه، وإلا ما تم البلاغ عن الله.
فإنْ قلتَ: كيف ذلك ومحمد صلى الله عليه وسلم مُرْسَل للناس في كل مكان، وفي كل زمان؟ نقول: هذه مهمة أمة محمد من بعده، أنْ تتعلم هذه اللغات، وأن تحمل إليها من دين الله في أيِّ مكان، لأن محمداً خاتم الرسل وآخر الأنبياء، فلا بدَّ أن تحمل الأمة من بعده هذه المهمة، وأنْ تسيح بها في أنحاء العالم.
فالقرآن نزل بالعربية لأنه سبحانه اختار العرب لحمل هذه الرسالة، وسبق في موضع قريب أن تكلمنا عن اختيار العرب بالذات لهذه المهمة، والحكمة من كَوْن رسول الله أمياً في أمة أمية، وإذا كان القرآن معجزاً للعرب بلفظه وأسلوبه، فهو معجز لغير العرب بمعناه، ومعجز بآياته الكونية التي تظهر للناس وتبهرهم من حين لآخر.
تصوَّروا لو أن محمداً كان متعلماً في أمة متعلمة ذات حضارة، ماذا لو كانوا يقولون، مع كثرة الكفرة والمعاندين والملحدين، والله لو كان الأمر كذلك لقالوا: إن الإسلام قفزة حضارية كالتي حدثتْ في كثير من الأمم.
إذن: نقول: الأمية عيب في كل أمي إلا في رسول الله فهي شرف، لماذا؟ لأنها تعني أنه تلقى كل علومه وكل ثقافاته من أعلى، فهي شرف لارتقاء مصدرها إلى الحق سبحانه.والعجيب أن من أعداء الإسلام مَنْ يقول بأن محمداً كان متعلماً، وهو الذي كتب القرآن من عنده سبحان الله، أأنتم متعصبون لمحمد أكثر من أتباعه؟ والقرآن صريح في الرد عليهم:
{  وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ }
[العنكبوت: 48].
وبعد هذه الأمية جاء محمد صلى الله عليه وسلم بمنهج أخضع له حضارات العالم، ودانتْ له أعظم حضارتين في هذا الزمن، حضارة فارس في الشرق وحضارة الروم في الغرب، أخضعها له لا بالقوة إنما بأساليبه ومعانيه الراقية التي تنظم حركة الحياة والمجتمع مله، وتنظفه من كل القاذورات والسلبيات التي كانت منتشرة بين هؤلاء.
وقوله تعالى: { لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا } [الشورى: 7] الإنذار هو الإخبار بشرٍّ قبل أوانه والتخويف به قبل موعده، والحكمة أنني حين أخوفك من الأمر قبل حدوثه أعطيك فرصة لتتجنبه.
{ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ } [الشورى: 7]هي مكة، فهي أم القرى، أو أصل القرى، لأن بها أول بيت وُضِع للناس، وآدم من الناس فالبيت إذن وُضِع قبل آدم لذلك فالقول الذي قال بأن الملائكة هي التي وضعتْ هذا البيت قول صحيح.
والمراد بمن حولها: ما حول مكة من قرى وقبائل وتجمُّعات عربية، ولأن مكة هي أم القرى وأصلها، أخذت قريش مكان الصدارة بين قبائل العرب في شبه الجزيرة العربية، وكانت قريش لها شرف خدمة البيت، فهم سدنته القائمون على أمره تأتيهم كل القبائل في موسم الحج، فتوفر لهم الأمن والحماية في كل أنحاء الجزيرة في رحلتَي الشتاء والصيف.
إذن: فالبيت هو الذي منح قريشاً هذه المهابة وهذه المنزلة، يقول تعالى:
{  لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ }
[قريش: 1-4] فسيادة قريش من سيادة البيت ومن جوارهم له وقيامهم على خدمة حجاجه، ولو انهدم البيت لزالتْ مهابة قريش، وفقدت هذه المكانة.
وقوله تعالى: { وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ } [الشورى: 7] أي: تخوفهم من هذا اليوم وهو يوم القيامة والجمع في هذا اليوم يكون من عدة وجوه: أولاً: البعث حيث يجمع بين الجسم والروح، ويجمع الملائكة في الملأ الأعلى بالبشر، ويجمع الظالم والمظلوم، والتابع والمتبوع.
ونلحظ على هذا التعبير القرآني { وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ } [الشورى: 7] أنه سكت ولم يذكر مفعول الفعل (تنذر) وهو يتعدَّى إلى مفعولين كما في قوله تعالى:
{  فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ }
[فصلت: 13] فذكر المخوف منه على العموم ولم يذكر مفعول أنذر لماذا؟ لأنه سيأتي لها شرح آخر، ففي قوله تعالى
{  وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ.. }
[غافر: 18] أي: أنذر الكافرين وهذا مفعول أول، ويوم الجمع مفعول ثان.
وقوله: { لاَ رَيْبَ } [الشورى: 7] لا شك { فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ } [الشورى: 7] فما دام هناك تكليف فلا بدَّ أن توجد الطاعة، وأن توجد المعصية، الطائع يُثاب والعاصي يُعاقب، وهذه سنة حتى عند البشر في أمور حياتهم، بدليل أنهم جعلوا لها قانوناً للثواب والعقاب، كذلك في يوم الجمْع الذي لا ريب فيه سيكون الناس على قسمين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.في اللغة أسلوب يُسمَّى (الاحتباك) أي: الأمر المحبوك، وهو أن يحذف من الشيء ما يدل عليه غيره على التقابل، ومن ذلك قوله تعالى:
{  قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ }
[آل عمران: 13] يعني: أمر عجيب
{  فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا }
يعني في حرب
{  فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ }
[آل عمران: 13] وهي الفئة المؤمنة
{  وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ }
[آل عمران: 13] أي: تقاتل في سبيل الشيطان.
تأمل هذا النسق القرآني تجده حذف الوصف (مؤمنة) لأنه دلَّ عليها قوله
{  تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ }
[آل عمران: 13] وفي الأخرى ذكر الوصف (كافرة) وحذف المقابل أي تقاتل في سبيل الشيطان، فحذف من إحديهما ما دلتْ عليه الأخرى بالتقابل، وهذت يُسمى الاحتباك.
وقوله تعالى: { فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ } [الشورى: 7] تفريق بعد الجمع في قوله: { وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ } [الشورى: 7] والتفريق بعد الجمع أسلوب آخر من أساليب القرآن، وهناك الجمع والتفريق والتقسيم.
ومن ذلك قوله سبحانه:
{  يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ }
[هود: 105] هذا جمع
{  فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ }
[هود: 105] هذا تفريق، ثم يقسم ويُفصِّل القول في كل فريق:
{  فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ }
[هود: 106-108]
لكن لماذا هذا التفريق { فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ } [الشورى: 7] قالوا: لأن الحق سبحانه خلق الخَلْق وخيَّرهم حين عرض عليهم الأمانة، وهي أمانة التكليف في قوله تعالى:
{  إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }
[الأحزاب: 72].
يعني: تركنا لهم حرية الاختيار لحمل الأمانة فأشفقتْ كل المخلوقات من حملها، فاختارت أنْ تكون مُسيَّرة يتصرف فيها ربها كيف شاء إلا الإنسان والجن، فقد اختار حمل الأمانة.
{  إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً }
[الأحزاب: 72] أي: لنفسه { جَهُولاً } بالعواقب، لأنه قد تضمن نفسك ساعة التحمل، لكنك لا تضمن ساعة الأداء، فقد تحُول ظروفك بينك وبين أداء الأمانة، فلأن الإنسانَ اختار حملَ الأمانة واختار الاختيار كان لا بدَّ أنْ يسأل عن أمانته، وأنْ يحاسب عليها، أحفِظَ أم ضيَّع، وكان لا بدَّ له من دار جزاء وحساب، ففريق في الجنة وفريق في السعير.

www.alro7.net












الله ومنطقية وجوده : لتنذر ام القرى ومن حولها


 بقلم : زياد السلوادي

   يقول الله تعالى (وهذا كتاب انزلناه مبارك مصدق الذى بين يديه ولتنذر ام القرى ومن حولها والذين يوءمنون بالاخرة يوءمنون به وهم على صلاتهم يحافظون )


الرابط : دراسات 
بقلم : زياد السلوادي
   يقول الله تعالى (وهذا كتاب انزلناه مبارك مصدق الذى بين يديه ولتنذر ام القرى ومن حولها والذين يوءمنون بالاخرة يوءمنون به وهم على صلاتهم يحافظون ) 92 الأنعام . ويقول تعالى (وكذلك اوحينا اليك قرءانا عربيا لتنذر ام القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق فى الجنة وفريق فى السعير ) 7 الشورى . ونحن نعلم أن صعوبة الاتصالات في عصر النبوة وما تلاه لم تكن لتسمح للدعاة بالوصول الى أبعد من حدودهم الجغرافية القريبة ، فهم مثلا لم يسمعوا بأستراليا ولا بالأمريكا اللاتينية ، ولذلك فهم لم يفكروا بأن ما حول مكة يمكن أن يشمل أبعد مما كانوا يعرفون من البلاد ، وإن كانوا يعلمون بأن الإسلام قد جاء للناس كافة . ولكننا اليوم وفي عصر الاتصالات الذي نعيشه ، نعلم بوجود كل ما على الأرض من يابسة وماء بدقة كبيرة ، بل ونعلم عدد سكان الأرض بدقة كذلك . لذلك فقد جاء هذا التشكيك بالآيتين الكريمتين ظناً من الملحدين بأنهم يمكنهم الطعن في صحة الآيات من خلال إثارة فكرة أن مكة لا تقع في منتصف العالم فكيف تقول الآية ( أم القرى ومن حولها ) ؟ ورغم أن الإجابة ببساطة كبيرة يمكن أن تفهم من خلال القول إن كل بقعة على الكرة الأرضية هي فعلاً في منتصف الكرة لأنه من الناحية الهندسية فإن أية نقطة في الشكل الكروي يمكن اعتبارها مركزاً للسطح  الكروي لأن المسافة الخارجية البعيدة بين شرقها وغربها ثابتة وهي محيط الكرة الأرضية ، وكذلك المسافة الخارجية البعيدة بين شمالها وجنوبها هي كذلك ثابتة وهي المحيط العمودي للكرة الأرضية ، وبهذا الفهم يتضح أن مكة جغرافياً مثلها مثل نيويورك وسيدني وأوتاوا وطوكيو … الخ . ولكن العجيب في الأمر – وهذا إعجاز جغرافي انفرد به القرآن الكريم منذ 1400 سنة – أن مكة بالفعل تقع في منتصف العالم . كيف ؟

  هات خريطة العالم مرسومة على ورقة بمقياس رسم صحيح ، ثم قم بقص القارات والجزر جميعها واستبعد عنها البحار والمحيطات ثم قم بلصقها معا ، وستدهش حين تجدها يكمل بعضها بعضاً كلعبة تجميع الصور، فما كان مقعراً من شرق أمريكا الشمالية سيلتحم بما هو محدب من شمال غرب أفريقيا ، وما هو محدب من شرق أمريكا الجنوبية سيلتحم بما هو مقعر من وسط غرب أفريقيا ، وستجد أقصى الشمال الشرقي لكندا يتصل بأقصى غرب آسيا وشمال أوروبا ، وستجد غرب استراليا يتصل بالجنوب الشرقي لأفريقيا مع مدغشقر . وبعد الانتهاء من تجميع القارات بهذا الشكل والذي يشبه الى حد كبير ( لعبة مكعبات تجميع الصور ) ، حدد مكان مكة ثم قم بقياس المسافة بينها وبين أقصى جنوب شرق آسيا ، وبينها وبين أقصى غرب الولايات المتحدة فستجد المسافتين متساويتين تماماً ، ثم قم بقياس المسافة بين مكة وبين أقصى شمال كندا ، وبين مكة وبين أقصى جنوب أفريقيا فستجد المسافتين متساويتين ، وفي المحصلة فإنك ستجد المسافات الأربع متساوية بينما تكون مكة في المنتصف تماماً . وسوف تدهش جداً حين تكتشف كذلك أن سكان أستراليا الأصليين يشبهون في الشكل سكان مدغشقر التي تتصل بها أستراليا بعد قصك للبحر بينهما ، وكذلك فإن سكان كندا الأصليين يشبهون في الشكل سكان شمال غرب آسيا الذي التحم بشمال شرق كندا ، وربما كان هذا التشابه في الأعراق نتيجة لوجود هؤلاء الناس على نفس خط العرض من الكرة الأرضية حيث يتشابه المناخ الذي يؤثر عليهم ، وهذا الأمر يحتاج الى تفسير المتخصصين ، ولكننا هنا نبحث في معنى قوله تعالى ( أم القرى ومن حولها ) . وقد وصلنا الى نتيجة غاية في العجب لأن هذه المعلومة الجغرافية الصحيحة قد سبقت العلوم الإنسانية جمعاء في معرفة موقع مكة من الكرة الأرضية ، فعندما نزلت الآية قبل 1400 سنة لم يكن الإنسان يعلم أصلاً بكروية الأرض ، ولم تكن هناك خريطة واحدة لأية مواقع على الأرض ، ولم يكن هناك عالم جغرافيا واحد ، أفلا يستدعي هذا الأمر من الإخوة الذين ينكرون كون القرآن منزلاً من رب العالمين وخالق الكون أن يراجعوا معتقدهم إن كانوا يبحثون عن الحقيقة فعلاً ؟ لقد قال أحد المستشرقين الذين بحثوا في القرآن الكريم بحثاً علمياً محايداً خالياً من الهوى وأظنه روجيه جارودي الفرنسي إنه لو كان قد وجد هذا القرآن بالصدفة في صحراء مقفرة لا بشر فيها لما كان ذلك يثنيه عن الإيمان بأن هذا الكتاب لا بد وأن يكون منزلاً من عند الله ! وها هو الكتاب بين أيديكم وها هي الآية فيه واضحة فماذا أنتم قائلون ؟  وقد وصلنا في بحث الآية الى أن استخدام المقص في خريطة العالم يثبت بما لا يدع مجالاً للشك صدقَ الآيات القرآنية ، وما على المشكك إلا أن يقوم بهذه التجربة بنفسه .
   ويحضرني هنا قول الله تعالى ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين ) 96 آل عمران . وهذا يعني أن الله تعالى قد وضع – مع خلق الأرض – الأساس الذي بنيت عليه الكعبة في مكة على يد الإنسان بعد ذلك ، وأن هذا الأساس قد وضع في منتصف اليابسة تماماً قبل أن تنتقل القارات من أماكنها ويتباعد بعضها عن بعض ربما بسبب حركة دوران الكرة الأرضية حول نفسها من الغرب الى الشرق ، لأننا نلاحظ أن التباعد بين القارات كان أفقياً .
   وختاماً لهذه الجزئية من البحث فإنني أدعو كل باحث محايد أن يقوم بتجربة المقص مع خريطة العالم ليتأكد بنفسه من صدق ما أقول .
بطاقة دعوة
   من ملك الملوك ومالك جميع المدن والقرى الى جميع رعاياه الساكنين فيها من أقصى شمالها الى أقصى جنوبها ومن أقصى شرقها الى أقصى غربها ، كبيرهم وصغيرهم ، غنيهم وفقيرهم ، الذكر منهم والأنثى ، هذه دعوة لكم جميعاً دون استثناء ، يدعوكم من خلالها جلالة الملك الأعظم لحضور المأدبة التي يقيمها لكم في قصره حيث ستنالون فيها العطايا الجزيلة والهدايا الثمينة ، ويحملها إليكم رجل منكم يثق جلالة الملك الأعظم بصدقه وأمانته في توصيلها الى كل واحد منكم ، ويحذر الملك كل من يرفض هذه الدعوة بعقوبة السجن والحرمان ، ولكي تقام عليكم الحجة في صدق هذه الدعوة فإن الملك يطلب منكم أن تتدبروا بطاقة الدعوة والملحقات المرفقة بها ، لأنها تحمل في طياتها البرهان على صدورها من بلاط الملك .

  هذه بطاقة دعوة قام بتوزيعها على جميع أهل القرية والقرى والمدن المجاورة رجل من أهل القرية معروف عند أهلها بصدقه وأمانته ، ويقر له جميع أهل القرية بأنه لم تجرب عليه في حياته كلها كذبة واحدة ، حتى أنه إذا مازح أحداً منهم فإنه يتحرى الصدق في المزاح أيضاً ، حتى لقبوه بالأمين .
   وحين تلقى الناس بطاقة الدعوة هذه انقسموا الى قسمين : قسم رفضها ، وقسم قبلها   ، فأما الرافضون لها فاختلفت أسباب رفضهم وكانوا في مجملهم كما يلي :
1-  قوم منعهم التنافس العائلي بين عائلاتهم وعائلة الرجل الأمين ، حيث قالوا إنه لو كان ينتمي الى عائلاتهم لما تأخروا في قبول الدعوة . أما وأنه من عائلة منافسة لنا في الشرف فإن تصديقنا له سيقوي عائلته على حساب عائلاتنا .
2-  قوم من  الأغنياء وأصحاب السلطة منعتهم كبرياؤهم من أن ينزلوا الى مستوى الفقراء والضعفاء والعبيد لأن الملك سيجمعهم معاً في مأدبة واحدة ، حيث فالوا إن هذا الأمر سيلغي تميزهم عن سائر الناس .
3-  قوم أخذتهم العصبية فظنوا أن في قبولهم لدعوة الملك خيانة لآبائهم وأجدادهم الذين لم يعرفوا الملك ولم تصلهم منه دعوة مماثلة .
4-  قوم غلبهم الحسد والغيرة فقالوا إن الملك هو ملكهم وحدهم وهم رعاياه الخالصين من دون الناس ، فكان أجدر بالملك أن يبعث ببطاقة الدعوة مع رجل منهم يشاركهم نسبهم ، لا مع رجل آخر من عامة الناس .
5-  قوم قالوا إن الملك سبق وأن أرسل لهم ابنه الأمير ببطاقة دعوة وقد صدقوه وأرادوا الذهاب معه لولا أن أعداءه قد قتلوه قبل المأدبة ، وقد قال بعضهم فيما بعد إن الأمير لم يكن ابن الملك بل هو الملك نفسه جاءهم وهو يلبس لباس ابنه الأمير ، فكيف يلبون الآن دعوة أرسلها الملك مع رجل من عامة الناس ؟
6-   أقوام آخرون كثير اختلفت ردودهم وتباينت ولكنها اتفقت على رفض الدعوة .
وأما الذين قبلوا الدعوة فاتفقت أسباب قبولهم وكانوا في مجملهم كما يلي :
1-   قوم كانوا يعلمون بصدق الرجل الذي جاءهم بالدعوة ، ويثقون في أخلاقه الكريمة فوافقوا من فورهم .
2-   قوم هز خطاب الدعوة الفصيح وجدانهم ، فأدركوا أن هذا الخطاب العظيم لا يصدر فعلاً إلا من ملك .
3-   قوم فقراء ومستضعفون رأوا في هذه الدعوة رفعة لشأنهم وتكريماً .
4-  قوم ممن سبق أن تلقوا دعوة مماثلة من الملك ، وجدوا في دعوتهم السابقة ذكراً للرجل الذي سيأتي بالدعوة اللاحقة بل ووصفاً دقيقاً له .
5-   أقوام آخرون تنوعت أسبابهم .

   وفي الميعاد المحدد في الدعوة ذهب المدعوون الى قصر الملك فرحب بهم وأقام لهم مأدبة عظيمة ، ووزع عليهم العطايا الجزيلة والهدايا النفيسة والقصور المنيفة ، وأما الذين لم يلبوا الدعوة ففوجئوا بجنود من جنود الملك ينتزعونهم  من بيوتهم وحقولهم ومصانعهم ويقتادونهم الى الملك الذي أمر بمعاقبتهم وإلقائهم في سجن رهيب .
   وظلت الدعوة مفتوحة ومتداولة جيلاً بعد جيل ، وكانت الأجيال مختلفة في تلقيها للدعوة بين مؤمن بما فيها ومنكر لصلتها بالملك بل ومنكر للملك نفسه ، وكان سبب إنكار السواد الأعظم للمنكرين هو انشغالهم بأحوال معاشهم في النهار  وانغماسهم في ملذاتهم في الليل ، فلم يجدوا وقتاً يخصصونه لإعادة التفكير في أمر هذه الدعوة . ولكن نفراًً من العلماء قرروا أن يستخدموا علومهم المختلفة في إعادة دراسة بطاقة الدعوة هذه وما في طياتها من ملحقات لعلهم يجدون في علومهم ما يؤيد صدقها أو ما يثبت زيفها ، بخاصة وأنهم بعد تقدمهم العلمي الكبير في شتى المجالات أصبحوا أقدر من آبائهم وأجدادهم على الحكم الصحيح على مصدر هذه البطاقة . وقالوا : إذا كانت المخابرات المركزية الأمريكية تسخر علومها في مجال ذبذبات الصوت للحكم على خطاب منسوب الى ابن لادن ، فتستطيع تمييز الصوت بدرجة عالية من الدقة فتتأكد أن صاحب الصوت هو أسامة بن لادن فعلاً ، أفلا نستطيع نحن العلماء أن نسخر كل طاقاتنا العلمية والعقلية للبحث في صحة مصدر هذه البطاقة التي هي أهم وأعظم من أي خطاب لأي إنسان ؟ لأنها تدعي أنها خطاب من رب أسامة بن لادن ورب أمريكا ورب العالمين ، ولأن ما فيها من إنذار لمنكريها أهم وأقوى وأعظم وأشد عاقبة من إنذار ابن لادن للغرب .
   لا أظن أن هذه القصة الرمزية في حاجة لتفصيلها للقارئ ، ولكنني أود أن أقول إن الشيء الوحيد – في عصرنا هذا – الذي يربط الأرض بالسماء هو ما بين أيدينا من آيات القرآن الكريم ، فهي الحبل الوحيد الممتد من السماء الى الأرض ، أو على الأقل فإن القرآن ( يزعم بذلك ) ، و ( يزعم ) أيضاً أن ما سبقه من الكتب الموجودة بين أيدينا ( التوراة والإنجيل ) إنما تم تحريفها على أيدي البشر ، وهو ( يزعم ) كذلك أن كثيراً من الحقائق التي وردت في الكتب السابقة قد تم قلبها الى نقيضها فيقول مثلاً إن المسيح بن مريم عليه السلام مخلوق مثله كمثل آدم ، فلا هو ابن الله ولا هو أقنومه الثاني ، وأن المسيح قد رفع الى السماء وليس هو من علق على الصليب ، وأنه كان رسولاً الى بني إسرائيل فقط وليس الى العالم كافة ، وأنه تكلم مع الناس منذ اللحظات الأولى لولادته ،  وأن إسماعيل هو الذبيح وليس إسحق … الخ . 

   والحق أن العرب الذين نزل فيهم القرآن الكريم لم يكونوا يعلمون من ذلك شيئاً ، ولم يكن ذلك يعنيهم في شيء ، بل كانوا يعبدون الأوثان ويظنون أنها ستقربهم الى الله ، ولكن من آمن منهم برسالة محمد وبالقرآن اعتنق كل ما ورد في القرآن من أفكار لأنه آمن أن القرآن هو كلام الله  ، وظل هذا الاعتناق قوياً في العقول والقلوب جيلاً بعد جيل ، بل وزاد من هذا الاعتقاد قوة وثقة أن كثيراً من اليهود والنصارى أنفسهم قد آمنوا بما جاء في القرآن وأصبحوا مسلمين بملء إرادتهم الحرة ، ذلك أن إيمان العرب الوثنيين لم يكن صعباً على نفوسهم لأن قلوبهم كانت فارغة من أي إيمان سابق وعقولهم كانت خلواً من أية قناعات سابقة فكان يكفي أحدهم أن يتأثر بآية من القرآن أو بسلوك حسن من الرسول والمؤمنين معه لينضم إليهم فوراً ، أما اليهود والنصارى فكان في قلوبهم إيمان يختلف نوعاً ما عن مطلوب الإيمان في القرآن ، وفي عقولهم قناعات مختلفة كذلك ، فكان إيمانهم بالقرآن يتطلب جهداً أكبر لأنه في حاجة الى نزع المفاهيم السابقة أولاً قبل إدخال المفاهيم الجديدة في عقولهم وقلوبهم ، ولذلك كان إيمانهم برسالة محمد شهادة أكبر من شهادة الوثنيين من العرب على صدق رسالة محمد .
   أما اليوم وفي عصرنا هذا فإن الإسلام يواجه مشكلة كبيرة جداً تعود بالتشويش على صورته النقية السابقة ، وتصد عنه كل من حاول أن يقترب منه أو حاول أن يدرس مبادئه دراسة محايدة . ألا وهي الأخلاق . ففي الوقت الذي ضرب فيه رسول الله محمد صلى الله عليه وآله أروع الأمثلة الإنسانية في أخلاقه الكريمة العظيمة ، بل وكانت أخلاقه هذه سبباً في دخول أصحاب الأديان الأخرى الى الإسلام في مئات الحالات ، وفي الوقت الذي يقول فيه القرآن ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكّرون ) 90 النحل ويقول فيه الرسول عليه وآله الصلاة والسلام ( إنما بـُعِثتُ لأتمم مكارم الأخلاق )  نجد كثيراً من المسلمين اليوم أبعد ما يكونون عن أخلاق الإسلام  . وما ذلك إلا لجهلهم بحقيقة رسالة الإسلام الى الناس كافة ، فأصابهم من غرور القرب من الله ما أصاب اليهود قبلهم من اعتقاد بأنهم أبناء الله وأحباؤه من دون الناس وأن الله هو لهم وحدهم فقط ، وهذا الإحساس يؤثر في السلوك تأثيراً كبيراً فيجعل أصحاب الأديان الأخرى ينفرون من الإسلام خوفاً واشمئزازاً ممن يدعوهم الى دينه بصلف وتكبر وعنف ، أو ممن يسخر من معتقداتهم بكلمات قاسية ونابية ، مع أن القرآن الكريم يقول في شأن الدعوة ( قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) 64 آل عمران . ويقول كذلك (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين ) 125 النحل ، ويقول كذلك في شأن علاقة المسلمين بأتباع أي دين آخر (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين ) 8 الممتحنة . فهل هناك أوضح من ذلك ؟ لكن بعض المسلمين يريدون أن يكونوا مسلمين أكثر من رسول الله  نفسه عليه وآله الصلاة والسلام ،  فيسلكون في شأن الدعوة طرقاً خاطئة ، وفي شأن علاقاتهم بالآخرين كذلك ، وقد لامني بعض إخواني المسلمين على قيامي بتهنئة بعض الإخوة المسيحيين بأعيادهم ! وحاجّوني في ذلك فسألتهم : ماذا يكون ردكم لو أن بعض المسيحيين استأذنوكم أن يصلوا في مسجدكم ؟ فأجابوني بأنهم لا يسمحون بذلك أبداً . فقلت لهم : ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله سمح لنصارى نجران حين استأذنوه أن يصلوا في مسجده بالمدينة !!
21-9-2010



الرابط : دراسات  
http://arabvoice.com/21643/