Friday, November 16, 2012

نغماتُ الرّوح



 نغماتُ الرّوح


بقلم: راندا الحمامصي

«إعتبروا الموت بأنه عين الحياة» حضرة عبدالبهاء إن التعاليم البهائية عن سر الموت والحياة، وهو السر المكنون خلف حجاب الغموض والإبهام من شأنها أن تهب العقول الحائرة والقلوب الحزينة رسالة مشرقة بالأمل والعزاء، وتدفعها شوقاً إلى الحياة النبيلة، لأن حضرة بهاء الله رسول الحق في هذه الدورة الجديدة، وابنه حضرة عبد البهاء المبين لتعاليمه، قد أزاحا بعض الستر الذى يحجب ذلك الخفاء، وكشفا عن الشئ الذى كان يبدو عبثاً وعقيماً. ولكن أسرار الحياة الأخرى ومكنونات الكون مما لايمكن الكشف عنها كاملاً طالما أن لغة البشر هى بالقياس كلغة الأطفال بحيث يكون من المستحيل علينا في هذه الحياة الدنيا أن نفهم هذه الحقيقة فهماً دقيقاً. غير أنه لابد لنا من فهم طائفة من الحقائق من شأنها أن تنير أفكارنا وتحيط جهودنا في حياتنا الأرضية بالإلهام والإرشاد. ولذلك يبدو أن من الضرورى لكي نعرف شيئاً عن كُنه الوجود في الحياة الآخرى، أن نفهم غاية هذه الحياة وبأي نظرة يجب أن ننظر إليها. عالم الأجنّة تعلمنا أن حياة الجسد ماهى إلا مرحلة الجنين من وجودنا ويمكن تشبيهها بالجنين في رحم الأم. حيث ينمو ويترقى في الهيئة والملكات التى يحتاج إليها في العالم الآلي. وكذلك الإنسان يحتاج في حياته الأرضيه إلى تنمية قواه الكامنة وقابلياته أى الصفات الروحانية التى ليست فقط تمكنه من مغالبة الحياة والحصول على السعادة الروحية بل أيضاً تهيّئهُ عند الممات لميلاد جديد في الحياة الآخرى. وعلى هذا تكون الغاية من الحياة على الأرض ليست سوى مرحلة لتمكين الإنسان من تنمية ملكاته بالاستفادة من التجارب التى يجتازها في حالات الفرح والحزن والكفاح والتحصيل والنشاط الموجه توجيهاً صحيحاً، فالمحبة والصفاء والتواضع وإنكار الذات والإستقامة والحكمة والإيمان وخدمة الإنسانية هى الصفات التى عليها تقدم حياته في عوالم الخلد. «يا ابْنَ الرّوح – في أول القول أملك قلباً جيداً حسناً منيراً لتملك ملكاً دائماً باقياً أزلاً قديماً».(1) الجسم العنصري يتفضل حضرة عبد البهاء (مترجماً) «أن الأجسام المادية كما نعلم مكونة من ذرات، فإذا بدأت هذه الذرات في التفرق دبّ الإنحلال ويأتي مانسميه الموت. وهذا التكوين الذرى الذى يتركب منه الجسم أو العنصر الفاني في كل مخلوق هو مؤقت، فإذا إنعدمت قوة الجاذبية التى تؤلف بين هذه العناصر توقف البدن عن الحياة. أما في الروح فالأمر يختلف لأن الروح ليست مركبه من عناصر متحدة أو مكونة من مجموعة ذرات، ولكنها من جوهر واحد لا يتجزأ وهى لذلك خالدة، وبما أنها خارجة بالكلية عن نظام التكوين المادى فلا يعتريها فناء».(2) وعلى هذا يكون أن الجسم المادى ليس إلاّ غطاءً للروح، وهو واسطة التعبير في عالم المادة، فإذا تنحى الغطاء جانباً تحررت الروح من عقالها، ويمكن ببساطة أن نشبه مرحلة الإنتقال هذه باليرقة التى تخرج من سجن الشرنقة في هيئة فراشة تنطلق إلى آفاق جديدة. إلى دنيا أوسع وأفسح من النور والحرية. ومع ذلك فهذا التشبيه لا يعتبر منطبقاً من كل الوجوه، لأن الروح ليست داخلة في الجسد بل متعلقة به أو بعبارة آخرى منعكسة عليه كما تنعكس الشمس على المرآة فاٍذا كسرت المرآة لن تتأثر شمس الروح. فالروح إذاً تستطيع أن تقوم بوظائفها بوساطة الصورة الآلية وبغير وساطتها على حد سواء، ولنا في حاله النوم مثال لقوى الروح المستقلة حيث نجد وقد توقفت كل القوى الآلية – إننا نستطيع أن نرى ونسمع وننتقل بل ونعرف في بعض الأحيان أشياء لم نكن نعرفها ونحن في حالة اليقظة. فالجسم محدود بالحيز والرؤية ولكن الروح لا ترى وليس لها حيز، والزمان والمكان هو من خصائص الأجسام وحدها. الروح والعقل والنفس كثيراً ما يختلط الأمر في تعريف الروح والعقل والنفس، ويكاد يكون الخلاف بين مصطلحات أهل الفلسفة القديمة والحديثة وبين الأديان. إلا أن كل الديانات العظيمة تقول باستمرار الحياة وبأن الروح الإنسانى خالد. وتتفق مع هذا القول الفلسفة العلمية حيث دللت على «أن الجوهر البسيط – والبسيط هنا معناه غير المركب – هو لهذا السبب غير قابل للفناء. ولما كانت الروح ليست كالجسم الذى هو عبارة عن عناصر مركبة وكانت بطبيعتها جوهراً بسيطاً كان من المستحيل أن يعتريها فناء... أى أنها لا يمكن أن يطرأ عليها إنحلال أو فناء ولذلك فلا يوجد سبب لأن يكون لها نهاية».(3) ولكن ما هى النفس؟ يعرفها حضرة عبد البهاء بأنها «هى القوة المحركة لهذا الجسم الآلى الذى يعيش تحت سلطانها الكامل ويتحرك بإرادتها. وللنفس وظيفتان رئيسيتان، فكما أن المؤثرات الخارجية تتصل بالنفس عن طريق العين والأذن والمخ كذلك تقوم النفس بتوصيل رغباتها ومطالبها عن طريق المخ إلى اليد واللسان للجسم الآلى. وتعبر بهذه الواسطة عن نفسها. أما الروح المتعلقة بالنفس أو المضيئة عن طريق النفس فهى جوهر الحياة. والوظيفة الثانية للنفس فإنها تحدث في عالم الرؤيا حيث يكون للنفس التى تتعلق بها الروح وجودها الخاص ووظائفها دون حاجة إلى مساعدة الحواس المادية.فهناك في عالم الرؤيا النفس ترى بغير مساعدة العين الآليه وتسمع بدون مساعدة الأذن المادية. وتنتقل بدون الإعتماد على الحركة المادية. إذاً يكون من الواضح أن الروح المتعلقة بنفس الإنسان (أو المضيئة عن طريقها) يمكنها أن تعمل بواسطة الحواس المادية ويمكنها أيضاً أن تحيّ وتعمل بدون معونتها كما في عالم الرؤيا»(4) الإنسان حر بين أن يدير مرآة نفسه نحو نور الروح وبين أن يحولها نحو الجانب المظلم المادي الحيوانى من طبيعته. «فإذا توجهت النفس إلى العالم المادى ظلت مظلمة ولكن إذا أصبحت مهبط المواهب العقلية تبدّل ظلامها نوراً وتعسفها عدلاً، وجهلها حكمة، ووحشيتها محبة ورحمة، ويتحرر الإنسان من الأنانية ويخلص من العالم المادي»(5) وكذلك العقل فإن له وجوداً معنوياً. واتصاله وعلاقته بالمخ فقط. المخ يستخدمه العقل واسطة للتعبير عن النشاط الروحي والفكري. والعقل هو القوة التى تُمَكّن الإنسان من أن يكتشف أسرار الوجود وتمده بالقدرة التى يُمَحّص بها حقائق الأشياء. فهو بمثابة التعبير الفردى للعقل الكلى الواحد، وبرهان خلود الإنسان، «فالعقل الإنسانى إذا استنار بنور الروح يجعل صاحبه تاج الخليقة؛ هذه هى قوة العقل لأن النفس بمفردها ليست قادرة على كشف أسرار الكون ولكن العقل قادر على ذلك ولهذا فهو قوة أسمى من النفس»(6) ولكن هناك قوة أخرى – قوة ثالثة للإنسان – وهى غير النفس والعقل، وهذة القوة الثالثة هى نور شمس الحقيقة وشعاع من العالم السماوى، هى روح الإيمان التى يشير إليها المسيح بقوله: «المولود من الجسد جسد والمولود من الروح هو روح» ثم يقرنه بالتحذير قوله: «من لم يكن له نصيب من الروح فهو كالميت» ومعنى هذا هو ولو أنه قدّر لكل النفوس أن تحيا بعد مفارقتها الجسد ولكنها تعتبر في حكم الموت إذا قورنت بالنفوس التى حيت بالروح واستمدت حياتها من روح الإيمان، وتلك هى روح القدس التى تنبعث كشعاع الشمس من المظاهر الآلهية الذين يظهرون في العالم بين وقت وآخر، ليساعدوا الإنسانية على رقيها الروحى ومن هؤلاء كان عيسى ومحمد وبوذا وغيرهم من المظاهر العظيمة السابقة. وكل الكائنات سواء أدركوا أو لم يدركوا، وسواء أكانوا في هذا العالم أم في العالم الآخر، هم مهابط أنوارهم ولهم نصيب من بركاتهم. وعلى ذلك إذا فنى الجسم العنصرى فإن الإنسان يستمر مع هذا حياً بروحه وعقله مستمداً حياته من روح الإيمان ويدخل في قصر من القصور المتعددة، أى في اليقظة والإدراك الروحى بحسب الدرجة التى حصل عليها في مرحلة حياته الأرضية. الجنة والنار نجد في كتب الأديان المختلفة المقدسة كالتوراة والإنجيل والقرآن، تصويراً حياً رائعاً لحالة الروح بعد الموت. ولكن هذا التصوير لم يكن إلا رمزاً لا يجوز أخذه على ظاهره أو تفسيره حرفياً. والعبارات المستعملة من قبيل الثواب والعقاب، والسماء والهاوية، وجنات الفردوس والظلمة وأمثالها، إنما يراد بها تصوير كيفية تنكشف حقيقتها في العالم الآخر وهى حالة الفرق في مراتب الإدراك بين الذين جاهدوا في إتباع مُثل طبيعتهم العلوية، ونمو قواهم الرّوحية، وصاروا من «المولود من الروح» وبين الذين غفلوا عن ذلك. فالجنة والنار ليست أماكن بل حالات للروح ويستطيع الإنسان أن ينعم ببعض بشارات الملكوت وهى المواهب الروحانية، وبيده كذلك أن يذوق عذاب جهنم الذى هو عباره عن الحرمان من هذه المواهب حتى ولو كان لا يزال يحيا بجسده وعلى ذلك فجهنم هى فقدان الترقي الروحاني. «وأما المكافأه الآخروية فهى الكمالات والنعم التى يحصل عليها في العوالم الروحانية بعد العروج من هذا العالم، وهذه المكافأة الأخروية هى نعم وألطاف روحانية كالنعم الروحانية في الملكوت الإلهي والحصول على مرغوب القلب والروح. وكذلك المجازات الأخروية، يعنى العذاب الآخروي، هو عبارة عن الحرمان من العنايات الإلهية الخاصة والمواهب الرحمانية والسقوط في أسفل الدركات الوجودية. وكل من يكون محروماً من هذه الألطاف الإلهية ينطبق عليه حكم الأموات عند أهل الحقيقة».(7) فتفاوت البشر في مراتب الأخلاق والكمالات الروحانية وهو التفاوت الذى كثيراً ماتحجبه عوامل البيئة والجاه والثروة والثقافة – سوف تنكشف حقيقته في العالم الآخر، حيث يكون مدى الحياة أوسع مما هو على هذه الأرض. والفرق كبير بين الحالتين، بقدر الفرق بين الجماد والإنسان الكامل. تفضل حضرة بهاء الله: «حقا أقول إن في نفوس الناس مَكْمَنَ عِزّ هم الوحيد. وإن غنى وسعادة العالم الآخر هى في نبل الأخلاق وطهارة القلب وسمو الروح». (مترجم) وحدة الدارين إن الإنفصال الذى نتصوره بين هذا العالم المنظور، وبين العوالم الخفية الآخرى، إنما مرجعه حواسنا البشرية لأن جميعها تكون في الحقيقة كوناً واحداً تتوقف أجزاؤه كل على الأخرى، وتتصل اتصالاً وثيقاً فيما بينها. فالأحياء على الأرض والذين انتقلوا بالتغيير المترتب على حدوث الموت يربطهما نظام واحد في الحالتين. وعلى ذلك كان الإفتراق عن من نحب افتراقاً جسمياً لا أكثر لأن بين المنظور وغير المنظور إتصالاً دائماً. وقد يصبح حقيقة ثابتة عند من أوتى استعداداً كافياً لمثل هذا الإتصال العلوى. بينما يظل الآخرون جاهلين بسره. أما الأنبياء، وكثير من الأولياء فإتصالهم بهذا العالم والعالم الآخر طبيعى وحقيقى. «ويوجد بين الروحانيين إدراكات روحانية وإكتشافات وجدانية مقدسة عن الوهم والقياس، وإتحاد وتآلف مُنَزَّه عن الزمان والمكان. مثلا مذكور في الإنجيل أن موسى وايليا أتيا عند المسيح في جبل طابور. فمن الواضح أن هذه الألفة لم تكن جسمانية، بل كانت كيفية روحانية عبّر عنها بالملاقاة – ولها حقيقة وآثار عجيبة في العقول والأفكار، ويظهر لها إنجذاب عظيم في القلوب».(8) ونحن عندما نكون في حالة استعداد للإتصال العلوي كما في حالة الأحلام، حيث تكون الروح ضعيفة التعلق بالبدن، تستطيع إلهامات العالم الآخر أن تصل إلينا وتتصل بسرعة البرق بالإدراك الواعي. وطبيعي أن تعترف التعاليم البهائية بصحة بعض القوى الروحية الخارقة. ولكنها تحذر من أن يكون الباعث على الإتصال بمن صعدوا مجرد التفكه أو الحصول على أشياء لأنفسنا. لأن الحقيقة جوهر مُنَزَّه عن المكان ولايتشكل في صورة من الصور. والإتصال الحقيقى بمن صعدوا – وهو اللقاء المؤكد المأمون – يمكن دائماً حصوله عن طريق المحبة والصلاة أى بالكيفية الروحانية. وأن من الحكمة ترك القوى النفسية الكامنة تأخذ طريقها الطبيعي في الإنكشاف التدريجي كلما إزداد الروح إلتصاقاً بالمثل العليا، التى هى حياة الطهر وعدم الأنانية.لأنه قد يكون في ظهور هذه القوى قبل إستكمال نضوجها تأثير على مركز الروح في العالم العلوي، حيث تبلغ أمثال هذه القوى تمام الفاعلية. الصلاة من أجل مَن صعدوا فُرضت على البهائيين الصلاة من أجل من يسمون (الأموات). وقد نزلت صلوات خاصة بهم منها صلاة بطلب المغفرة، وصلاة بطلب الهداية، وصلاة بطلب السعادة والترقي. لأن الترقى في العالم الآخر لايزال قانون الحياة، ولأن رحمة الله واسعة وملائكتة على الدوام مقربون. «إن الذين صعدوا اٍلى الله لهم أوصاف تخالف صفات الذين لم يلحقوا بهم. ولكن لايوجد فرق حقيقي بين الفريقين، ففي الصلاة يحصل الإتصال بهم إتصالاً حقيقياً. فَصَلُّوا لأجلهم كما يصلون لأجلكم... والتأثير الحقيقي هو في ذاك العالم وليس في هذا العالم».(9) وعلى ذلك فالصلاة من خلف الحجاب – أى ممن صعدوا أو ممن لايزالون على الأرض بعد – تصعد إلى الحقيقة الآلهية التى تطوف حول قدس ساحتها أرواح جميع البشر. الترقي الروحاني أن مجموع الشواهد العلمية المتزايدة، وكذلك جمعية الأبحاث النفسية تؤيد التعاليم البهائية في أن الروح بعد مفارقتة البدن يستمر في حياته ونشاطه في عوالم يكون فيها الزمان والمكان الحسي معدوم. وفي هذه الحالة التى يصبح الروح محرراً «تصير إحساساته أشد قوة وإدركاته أوسع وسعادته أوفر». والذين رقّوا إدراكهم الروحي، ينتظرهم مصير مجيد من الخلود والترقى الكمالي الغير محدود في عوالم الله التى لا تتناهى، وهو الترقي اللا متناهي في المحبة والحكمة والفرح. وكما أن الحب هو القانون الأساسى الذى يربط الأرواح هنا. فهو كذلك الذى يربط بينها هناك، ولكن في مقياس أوسع وأشد، حيث (معاشرة الأولياء) يكون جزءاً كاملاً للحياة الأبدية. «إن الأسرار التى لايعرفها الإنسان في هذه الدنيا تكون واضحة مكشوفة في العالم الآخر، وفيه نفهم أسرار الحق. فبالأحرى نعرف الأشخاص الذين كنا نعاشرهم. ولاشك أن النفوس المقدسة الذين يكون لهم قلب طاهر وبصيرة نافذة يطلّعون على جميع الأسرار في ملكوت الأنوار ويطلبون مشاهدة حقائق النفوس الكبار. ويرون جمال الله في ذلك العالم كذلك يرون أحباء الله من الأولين والآخرين مجموعين في الرفيق الأعلى».(10) وبما أن المحبة في هذا العالم هى سلطان الحياة فسيجد الذين توثقت بينهم روابط الحب والإخلاص الحقيقي أن هذه العلاقة قد أصبحت بالمعاشرة الروحية أمتن وأقوى بما يفوق بكثير ماكان يمكن أن تكون عليه في هذه الدنيا. بينما «لا يستطيع مخلوق أن يتصور ما أعده الله للمرء وزوجه من الإتحاد والوفاق» إذا كانا قد أسسا كيانهما الروحي على الحب المتبادل. ومع أن الأسرار التى تحيط بمسألة إئتلاف وإتحاد الأرواح في العالم العلوى كثيرة مستترة إلا أنه يمكننا أن نلمح بارقة من البشارة والجمال المودع فيهما – وهنا نتغنى كما تغنى الشاعر عندما قال إن علينا أن «نقبض على أحلى اللحظات من بين أحلامنا المحطمة» ونجرب ذاك الشيء الذى يرتفع عن كل تصور. ولكن يعترضنا سؤال وهو كيف يمكن الإحتفاظ بالشخصية الفردية للروح في العوالم العليا؟ كل ما نستطيعه في دائرة إدراكاتنا المحدودة هو أن نمسك بطرف هذا الخيط الدقيق. ففي روح الإنسان وعقله توجد كل القوى التى من شأنها أن تمكنه من الفوز بالحياة الخالدة. ومن ظهور ملكاته الروحانية في مراحل ترقياتها المضطردة. مثل ذلك كالبذرة الصغيرة الضئيلة فإن فيها توجد سائر خواص شجرة البلوط العاتية. ولما كانت الحركة هى القانون الأساسي للوجود فإن حالة الجمود لا وجود لها في عالم الروح. كما لا يمكن لهذه الحركة أن ترجعه إلى الوراء. بل أن المطلب الكلي لجميع حركات الروح هو الوصول إلى مرتبة الكمال. أما الهيكل أو الجسم الذى يتخذه الروح في ذلك المقام فإنه يكون في صورة موافقة للأفق والعالم الذى يحيا فيه. «بعد الصعود (صعود الروح) يحضر بين يدى الله في هيكل لائق بالبقاء ولائق بذلك العالم».(11) وطبيعي أن نظاماً كهذا لا يسمح برجوع الروح إلى حاله الأولى، ولنضرب مثلاً بالفراشة فإنها لايمكن أن تعود إلى حالتها الأولى أى الشرنقة، ولكن الصفات وبعض الخصائص والآثار لعالم الروح تعود مرة أخرى إلى حيز الشهود. وتساعد على تنوير عقول الأحداث الذين يولدون أصلا بفطرة سليمة. فنتائج تجارب الفرد في الحياة تضاف إلى الثروة العامة للإنسانية بينما يكون التعويض كاملاً في العالم الآخر عن المظالم التى حاقت بالكثيرين في هذه الدنيا، ولكن بشكل يفوق إدراكنا. ولما كانت الترقيات الروحانية قانوناً إلهياً. فإن الروح يستمر في تحصيلة للكمالات اللامتناهيه، ويطير دائماً في العوالم التى لا تتناهى. ولكن هذه التطورات أو الترقيات تكون في محيط الرتبة الإنسانية. بمعنى أنها لن تبلغ رتبة الربوبية. «قبل خلع هذا القالب العنصري وبعد خلعه على السواء يحصل الترقي في الكمالات وليس في الرتبة. فلا يوجد كائن آخر أرقى من الإنسان الكامل. ولكن عند ما يصل الإنسان إلى هذا المقام يترقى في الكمالات وليس في الرتبة... لأن الكمالات الإنسانية لا تتناهى، مثلا مهما تصل إليه حقيقة بطرس من الترقى فإنها لن تصل إلى رتبة المسيح، أنها تترقى فقط في محيطها الخاص».(12) وبناء على هذا فإن الروح الإنساني لا يصير إلهياً. والمخلوق لن يكون خالقاً. وقد يتساءل الإنسان أحياناً عن ماسوف يكون عليه حال الأطفال الذين يتوفون في الطفولة. والجواب هو أن هؤلاء الاطفال سيحيون بالتأكيد في العالم الآخر لأنهم اكتسبوا صفة الحياة بولادتهم في هذا العالم، وأنهم سيكونون في ظل المحبة والعناية الإلهية التى تساعد هذه الورود في النمو حتى تتفتح بالمجال الروحاني. أما كيف يجب أن يُنْظَر إلى الموت. فيجيب حضرة عبدالبهاء: «كما ينظر الإنسان إلى نهاية رحلة من الرحلات بالشوق والأمل. وهكذا الحال أيضاً بالنسبة لنهاية الرحلة الأرضية. ففي العالم الآخر يجد الإنسان نفسه متخلصاً من كثير من المتاعب التى يعانيها الآن. والذين رحلوا عنا بالموت لهم عالم خاص بهم ولكنه ليس منفصلاً عنا. فإن عملهم الملكوتي هو عملنا، ولكنه مقدّس عن ما نسميه بالزمان والمكان». فالذين وفُقوا في يوم الله الجديد إلى الإقرار بالحقيقة الرّبانية المشرقة عن رسوله – حضرة بهاءالله، وفازوا بخدمة أمره وإظهار نوره، فإن الموت لا يصيبهم. «الكأس التي هي عين الحياة. أنها تفيض بصهباء الفرح والسرور وتهب الحياة الأبدية... والذين ذاقوا ثمرة الحياة الأولى التى هى الإقرار بالله الواحد الحق، فحياتهم في الآخرة مما لايمكن وصفه إن علمها عند رب العالمين».(13) «يا ابْنَ الرماد – لا تقنع براحه اليوم وتحرم نفسك عن الراحة الأبدية ولا تبدل السرور الباقي بالتراب الفانى فاخرج من سجنك وأعرج إلى الرياض الأنيقة العالية، ومن قفص الإمكان طر إلى رضوان اللامكان».(14) (حضرة بهاء الله) ومن اتبع هذا النصح فقد كَسَرَ أغلاله وذاق حلاوة الحُب وحَصُلَ على مرغوب قلبه، ووضع روحه بين يدي محبوبه، ولما ينطلق من قفصه يطير كطائر الروح إلى عشه المقدس الباقي. «يا عبادى، لاتحزنوا إذا كانت الأحوال في هذه الأيام تسير وتظهر في هذه الدنيا بتقدير الله على غير ما تشتهون، فإن أيام الفرح العظيم والسرور الإلهي مكنونة لكم. وسوف تنكشف لأعينكم العوالم المقدسة الروحانية فقد قدّر لكم من لدّنه نصيب من الخير والفرح والنعيم في الأولى والآخرة ولسوف تحصلون عليها».(15) «إذا آمنتم بي وعملتم ما خُبَّرتْمُ به فأجعلكم أحباء نفسي في جبروت عظمتي، وأصحاب كمالي وملكوت عزي إلى الأبد».(16) المصادر 1. حضرة بهاء الله – الكلمات المكنونه العربيه. 2. حضرة عبد البهاء – من مفاوضات حضرة عبد البهاء. 3. المصدر السابق. 4. المصدر السابق. 5. المصدر السابق. 6. المصدر السابق. 7. المصدر السابق. 8. المصدر السابق. 9. المصدر السابق. 10. المصدر السابق. 11. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 12. حضرة عبد البهاء – من مفاوضات حضرة عبد البهاء 13. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 14. حضرة بهاء الله – الكلمات المكنونة الفارسية (مترجم) 15. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 16. المصدر السابق. تابعونا على صفحتنا علي الفيسبوك المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع تقييم الموضوع :12345  تعليقات القراء








إن التعاليم البهائية عن سر الموت والحياة، وهو السر المكنون خلف حجاب الغموض والإبهام من شأنها أن تهب العقول الحائرة والقلوب الحزينة رسالة مشرقة بالأمل والعزاء، وتدفعها شوقاً إلى الحياة النبيلة، لأن حضرة بهاء الله رسول الحق في هذه الدورة الجديدة، وابنه حضرة عبد البهاء المبين لتعاليمه، قد أزاحا بعض الستر الذى يحجب ذلك الخفاء، وكشفا عن الشئ الذى كان يبدو عبثاً وعقيماً. ولكن أسرار الحياة الأخرى ومكنونات الكون مما لايمكن الكشف عنها كاملاً طالما أن لغة البشر هى بالقياس كلغة الأطفال بحيث يكون من المستحيل علينا في هذه الحياة الدنيا أن نفهم هذه الحقيقة فهماً دقيقاً. غير أنه لابد لنا من فهم طائفة من الحقائق من شأنها أن تنير أفكارنا وتحيط جهودنا في حياتنا الأرضية بالإلهام والإرشاد. ولذلك يبدو أن من الضرورى لكي نعرف شيئاً عن كُنه الوجود في الحياة الآخرى، أن نفهم غاية هذه الحياة وبأي نظرة يجب أن ننظر إليها. عالم الأجنّة تعلمنا أن حياة الجسد ماهى إلا مرحلة الجنين من وجودنا ويمكن تشبيهها بالجنين في رحم الأم. حيث ينمو ويترقى في الهيئة والملكات التى يحتاج إليها في العالم الآلي. وكذلك الإنسان يحتاج في حياته الأرضيه إلى تنمية قواه الكامنة وقابلياته أى الصفات الروحانية التى ليست فقط تمكنه من مغالبة الحياة والحصول على السعادة الروحية بل أيضاً تهيّئهُ عند الممات لميلاد جديد في الحياة الآخرى. وعلى هذا تكون الغاية من الحياة على الأرض ليست سوى مرحلة لتمكين الإنسان من تنمية ملكاته بالاستفادة من التجارب التى يجتازها في حالات الفرح والحزن والكفاح والتحصيل والنشاط الموجه توجيهاً صحيحاً، فالمحبة والصفاء والتواضع وإنكار الذات والإستقامة والحكمة والإيمان وخدمة الإنسانية هى الصفات التى عليها تقدم حياته في عوالم الخلد. «يا ابْنَ الرّوح – في أول القول أملك قلباً جيداً حسناً منيراً لتملك ملكاً دائماً باقياً أزلاً قديماً».(1) الجسم العنصري يتفضل حضرة عبد البهاء (مترجماً) «أن الأجسام المادية كما نعلم مكونة من ذرات، فإذا بدأت هذه الذرات في التفرق دبّ الإنحلال ويأتي مانسميه الموت. وهذا التكوين الذرى الذى يتركب منه الجسم أو العنصر الفاني في كل مخلوق هو مؤقت، فإذا إنعدمت قوة الجاذبية التى تؤلف بين هذه العناصر توقف البدن عن الحياة. أما في الروح فالأمر يختلف لأن الروح ليست مركبه من عناصر متحدة أو مكونة من مجموعة ذرات، ولكنها من جوهر واحد لا يتجزأ وهى لذلك خالدة، وبما أنها خارجة بالكلية عن نظام التكوين المادى فلا يعتريها فناء».(2) وعلى هذا يكون أن الجسم المادى ليس إلاّ غطاءً للروح، وهو واسطة التعبير في عالم المادة، فإذا تنحى الغطاء جانباً تحررت الروح من عقالها، ويمكن ببساطة أن نشبه مرحلة الإنتقال هذه باليرقة التى تخرج من سجن الشرنقة في هيئة فراشة تنطلق إلى آفاق جديدة. إلى دنيا أوسع وأفسح من النور والحرية. ومع ذلك فهذا التشبيه لا يعتبر منطبقاً من كل الوجوه، لأن الروح ليست داخلة في الجسد بل متعلقة به أو بعبارة آخرى منعكسة عليه كما تنعكس الشمس على المرآة فاٍذا كسرت المرآة لن تتأثر شمس الروح. فالروح إذاً تستطيع أن تقوم بوظائفها بوساطة الصورة الآلية وبغير وساطتها على حد سواء، ولنا في حاله النوم مثال لقوى الروح المستقلة حيث نجد وقد توقفت كل القوى الآلية – إننا نستطيع أن نرى ونسمع وننتقل بل ونعرف في بعض الأحيان أشياء لم نكن نعرفها ونحن في حالة اليقظة. فالجسم محدود بالحيز والرؤية ولكن الروح لا ترى وليس لها حيز، والزمان والمكان هو من خصائص الأجسام وحدها. الروح والعقل والنفس كثيراً ما يختلط الأمر في تعريف الروح والعقل والنفس، ويكاد يكون الخلاف بين مصطلحات أهل الفلسفة القديمة والحديثة وبين الأديان. إلا أن كل الديانات العظيمة تقول باستمرار الحياة وبأن الروح الإنسانى خالد. وتتفق مع هذا القول الفلسفة العلمية حيث دللت على «أن الجوهر البسيط – والبسيط هنا معناه غير المركب – هو لهذا السبب غير قابل للفناء. ولما كانت الروح ليست كالجسم الذى هو عبارة عن عناصر مركبة وكانت بطبيعتها جوهراً بسيطاً كان من المستحيل أن يعتريها فناء... أى أنها لا يمكن أن يطرأ عليها إنحلال أو فناء ولذلك فلا يوجد سبب لأن يكون لها نهاية».(3) ولكن ما هى النفس؟ يعرفها حضرة عبد البهاء بأنها «هى القوة المحركة لهذا الجسم الآلى الذى يعيش تحت سلطانها الكامل ويتحرك بإرادتها. وللنفس وظيفتان رئيسيتان، فكما أن المؤثرات الخارجية تتصل بالنفس عن طريق العين والأذن والمخ كذلك تقوم النفس بتوصيل رغباتها ومطالبها عن طريق المخ إلى اليد واللسان للجسم الآلى. وتعبر بهذه الواسطة عن نفسها. أما الروح المتعلقة بالنفس أو المضيئة عن طريق النفس فهى جوهر الحياة. والوظيفة الثانية للنفس فإنها تحدث في عالم الرؤيا حيث يكون للنفس التى تتعلق بها الروح وجودها الخاص ووظائفها دون حاجة إلى مساعدة الحواس المادية.فهناك في عالم الرؤيا النفس ترى بغير مساعدة العين الآليه وتسمع بدون مساعدة الأذن المادية. وتنتقل بدون الإعتماد على الحركة المادية. إذاً يكون من الواضح أن الروح المتعلقة بنفس الإنسان (أو المضيئة عن طريقها) يمكنها أن تعمل بواسطة الحواس المادية ويمكنها أيضاً أن تحيّ وتعمل بدون معونتها كما في عالم الرؤيا»(4) الإنسان حر بين أن يدير مرآة نفسه نحو نور الروح وبين أن يحولها نحو الجانب المظلم المادي الحيوانى من طبيعته. «فإذا توجهت النفس إلى العالم المادى ظلت مظلمة ولكن إذا أصبحت مهبط المواهب العقلية تبدّل ظلامها نوراً وتعسفها عدلاً، وجهلها حكمة، ووحشيتها محبة ورحمة، ويتحرر الإنسان من الأنانية ويخلص من العالم المادي»(5) وكذلك العقل فإن له وجوداً معنوياً. واتصاله وعلاقته بالمخ فقط. المخ يستخدمه العقل واسطة للتعبير عن النشاط الروحي والفكري. والعقل هو القوة التى تُمَكّن الإنسان من أن يكتشف أسرار الوجود وتمده بالقدرة التى يُمَحّص بها حقائق الأشياء. فهو بمثابة التعبير الفردى للعقل الكلى الواحد، وبرهان خلود الإنسان، «فالعقل الإنسانى إذا استنار بنور الروح يجعل صاحبه تاج الخليقة؛ هذه هى قوة العقل لأن النفس بمفردها ليست قادرة على كشف أسرار الكون ولكن العقل قادر على ذلك ولهذا فهو قوة أسمى من النفس»(6) ولكن هناك قوة أخرى – قوة ثالثة للإنسان – وهى غير النفس والعقل، وهذة القوة الثالثة هى نور شمس الحقيقة وشعاع من العالم السماوى، هى روح الإيمان التى يشير إليها المسيح بقوله: «المولود من الجسد جسد والمولود من الروح هو روح» ثم يقرنه بالتحذير قوله: «من لم يكن له نصيب من الروح فهو كالميت» ومعنى هذا هو ولو أنه قدّر لكل النفوس أن تحيا بعد مفارقتها الجسد ولكنها تعتبر في حكم الموت إذا قورنت بالنفوس التى حيت بالروح واستمدت حياتها من روح الإيمان، وتلك هى روح القدس التى تنبعث كشعاع الشمس من المظاهر الآلهية الذين يظهرون في العالم بين وقت وآخر، ليساعدوا الإنسانية على رقيها الروحى ومن هؤلاء كان عيسى ومحمد وبوذا وغيرهم من المظاهر العظيمة السابقة. وكل الكائنات سواء أدركوا أو لم يدركوا، وسواء أكانوا في هذا العالم أم في العالم الآخر، هم مهابط أنوارهم ولهم نصيب من بركاتهم. وعلى ذلك إذا فنى الجسم العنصرى فإن الإنسان يستمر مع هذا حياً بروحه وعقله مستمداً حياته من روح الإيمان ويدخل في قصر من القصور المتعددة، أى في اليقظة والإدراك الروحى بحسب الدرجة التى حصل عليها في مرحلة حياته الأرضية. الجنة والنار نجد في كتب الأديان المختلفة المقدسة كالتوراة والإنجيل والقرآن، تصويراً حياً رائعاً لحالة الروح بعد الموت. ولكن هذا التصوير لم يكن إلا رمزاً لا يجوز أخذه على ظاهره أو تفسيره حرفياً. والعبارات المستعملة من قبيل الثواب والعقاب، والسماء والهاوية، وجنات الفردوس والظلمة وأمثالها، إنما يراد بها تصوير كيفية تنكشف حقيقتها في العالم الآخر وهى حالة الفرق في مراتب الإدراك بين الذين جاهدوا في إتباع مُثل طبيعتهم العلوية، ونمو قواهم الرّوحية، وصاروا من «المولود من الروح» وبين الذين غفلوا عن ذلك. فالجنة والنار ليست أماكن بل حالات للروح ويستطيع الإنسان أن ينعم ببعض بشارات الملكوت وهى المواهب الروحانية، وبيده كذلك أن يذوق عذاب جهنم الذى هو عباره عن الحرمان من هذه المواهب حتى ولو كان لا يزال يحيا بجسده وعلى ذلك فجهنم هى فقدان الترقي الروحاني. «وأما المكافأه الآخروية فهى الكمالات والنعم التى يحصل عليها في العوالم الروحانية بعد العروج من هذا العالم، وهذه المكافأة الأخروية هى نعم وألطاف روحانية كالنعم الروحانية في الملكوت الإلهي والحصول على مرغوب القلب والروح. وكذلك المجازات الأخروية، يعنى العذاب الآخروي، هو عبارة عن الحرمان من العنايات الإلهية الخاصة والمواهب الرحمانية والسقوط في أسفل الدركات الوجودية. وكل من يكون محروماً من هذه الألطاف الإلهية ينطبق عليه حكم الأموات عند أهل الحقيقة».(7) فتفاوت البشر في مراتب الأخلاق والكمالات الروحانية وهو التفاوت الذى كثيراً ماتحجبه عوامل البيئة والجاه والثروة والثقافة – سوف تنكشف حقيقته في العالم الآخر، حيث يكون مدى الحياة أوسع مما هو على هذه الأرض. والفرق كبير بين الحالتين، بقدر الفرق بين الجماد والإنسان الكامل. تفضل حضرة بهاء الله: «حقا أقول إن في نفوس الناس مَكْمَنَ عِزّ هم الوحيد. وإن غنى وسعادة العالم الآخر هى في نبل الأخلاق وطهارة القلب وسمو الروح». (مترجم) وحدة الدارين إن الإنفصال الذى نتصوره بين هذا العالم المنظور، وبين العوالم الخفية الآخرى، إنما مرجعه حواسنا البشرية لأن جميعها تكون في الحقيقة كوناً واحداً تتوقف أجزاؤه كل على الأخرى، وتتصل اتصالاً وثيقاً فيما بينها. فالأحياء على الأرض والذين انتقلوا بالتغيير المترتب على حدوث الموت يربطهما نظام واحد في الحالتين. وعلى ذلك كان الإفتراق عن من نحب افتراقاً جسمياً لا أكثر لأن بين المنظور وغير المنظور إتصالاً دائماً. وقد يصبح حقيقة ثابتة عند من أوتى استعداداً كافياً لمثل هذا الإتصال العلوى. بينما يظل الآخرون جاهلين بسره. أما الأنبياء، وكثير من الأولياء فإتصالهم بهذا العالم والعالم الآخر طبيعى وحقيقى. «ويوجد بين الروحانيين إدراكات روحانية وإكتشافات وجدانية مقدسة عن الوهم والقياس، وإتحاد وتآلف مُنَزَّه عن الزمان والمكان. مثلا مذكور في الإنجيل أن موسى وايليا أتيا عند المسيح في جبل طابور. فمن الواضح أن هذه الألفة لم تكن جسمانية، بل كانت كيفية روحانية عبّر عنها بالملاقاة – ولها حقيقة وآثار عجيبة في العقول والأفكار، ويظهر لها إنجذاب عظيم في القلوب».(8) ونحن عندما نكون في حالة استعداد للإتصال العلوي كما في حالة الأحلام، حيث تكون الروح ضعيفة التعلق بالبدن، تستطيع إلهامات العالم الآخر أن تصل إلينا وتتصل بسرعة البرق بالإدراك الواعي. وطبيعي أن تعترف التعاليم البهائية بصحة بعض القوى الروحية الخارقة. ولكنها تحذر من أن يكون الباعث على الإتصال بمن صعدوا مجرد التفكه أو الحصول على أشياء لأنفسنا. لأن الحقيقة جوهر مُنَزَّه عن المكان ولايتشكل في صورة من الصور. والإتصال الحقيقى بمن صعدوا – وهو اللقاء المؤكد المأمون – يمكن دائماً حصوله عن طريق المحبة والصلاة أى بالكيفية الروحانية. وأن من الحكمة ترك القوى النفسية الكامنة تأخذ طريقها الطبيعي في الإنكشاف التدريجي كلما إزداد الروح إلتصاقاً بالمثل العليا، التى هى حياة الطهر وعدم الأنانية.لأنه قد يكون في ظهور هذه القوى قبل إستكمال نضوجها تأثير على مركز الروح في العالم العلوي، حيث تبلغ أمثال هذه القوى تمام الفاعلية. الصلاة من أجل مَن صعدوا فُرضت على البهائيين الصلاة من أجل من يسمون (الأموات). وقد نزلت صلوات خاصة بهم منها صلاة بطلب المغفرة، وصلاة بطلب الهداية، وصلاة بطلب السعادة والترقي. لأن الترقى في العالم الآخر لايزال قانون الحياة، ولأن رحمة الله واسعة وملائكتة على الدوام مقربون. «إن الذين صعدوا اٍلى الله لهم أوصاف تخالف صفات الذين لم يلحقوا بهم. ولكن لايوجد فرق حقيقي بين الفريقين، ففي الصلاة يحصل الإتصال بهم إتصالاً حقيقياً. فَصَلُّوا لأجلهم كما يصلون لأجلكم... والتأثير الحقيقي هو في ذاك العالم وليس في هذا العالم».(9) وعلى ذلك فالصلاة من خلف الحجاب – أى ممن صعدوا أو ممن لايزالون على الأرض بعد – تصعد إلى الحقيقة الآلهية التى تطوف حول قدس ساحتها أرواح جميع البشر. الترقي الروحاني أن مجموع الشواهد العلمية المتزايدة، وكذلك جمعية الأبحاث النفسية تؤيد التعاليم البهائية في أن الروح بعد مفارقتة البدن يستمر في حياته ونشاطه في عوالم يكون فيها الزمان والمكان الحسي معدوم. وفي هذه الحالة التى يصبح الروح محرراً «تصير إحساساته أشد قوة وإدركاته أوسع وسعادته أوفر». والذين رقّوا إدراكهم الروحي، ينتظرهم مصير مجيد من الخلود والترقى الكمالي الغير محدود في عوالم الله التى لا تتناهى، وهو الترقي اللا متناهي في المحبة والحكمة والفرح. وكما أن الحب هو القانون الأساسى الذى يربط الأرواح هنا. فهو كذلك الذى يربط بينها هناك، ولكن في مقياس أوسع وأشد، حيث (معاشرة الأولياء) يكون جزءاً كاملاً للحياة الأبدية. «إن الأسرار التى لايعرفها الإنسان في هذه الدنيا تكون واضحة مكشوفة في العالم الآخر، وفيه نفهم أسرار الحق. فبالأحرى نعرف الأشخاص الذين كنا نعاشرهم. ولاشك أن النفوس المقدسة الذين يكون لهم قلب طاهر وبصيرة نافذة يطلّعون على جميع الأسرار في ملكوت الأنوار ويطلبون مشاهدة حقائق النفوس الكبار. ويرون جمال الله في ذلك العالم كذلك يرون أحباء الله من الأولين والآخرين مجموعين في الرفيق الأعلى».(10) وبما أن المحبة في هذا العالم هى سلطان الحياة فسيجد الذين توثقت بينهم روابط الحب والإخلاص الحقيقي أن هذه العلاقة قد أصبحت بالمعاشرة الروحية أمتن وأقوى بما يفوق بكثير ماكان يمكن أن تكون عليه في هذه الدنيا. بينما «لا يستطيع مخلوق أن يتصور ما أعده الله للمرء وزوجه من الإتحاد والوفاق» إذا كانا قد أسسا كيانهما الروحي على الحب المتبادل. ومع أن الأسرار التى تحيط بمسألة إئتلاف وإتحاد الأرواح في العالم العلوى كثيرة مستترة إلا أنه يمكننا أن نلمح بارقة من البشارة والجمال المودع فيهما – وهنا نتغنى كما تغنى الشاعر عندما قال إن علينا أن «نقبض على أحلى اللحظات من بين أحلامنا المحطمة» ونجرب ذاك الشيء الذى يرتفع عن كل تصور. ولكن يعترضنا سؤال وهو كيف يمكن الإحتفاظ بالشخصية الفردية للروح في العوالم العليا؟ كل ما نستطيعه في دائرة إدراكاتنا المحدودة هو أن نمسك بطرف هذا الخيط الدقيق. ففي روح الإنسان وعقله توجد كل القوى التى من شأنها أن تمكنه من الفوز بالحياة الخالدة. ومن ظهور ملكاته الروحانية في مراحل ترقياتها المضطردة. مثل ذلك كالبذرة الصغيرة الضئيلة فإن فيها توجد سائر خواص شجرة البلوط العاتية. ولما كانت الحركة هى القانون الأساسي للوجود فإن حالة الجمود لا وجود لها في عالم الروح. كما لا يمكن لهذه الحركة أن ترجعه إلى الوراء. بل أن المطلب الكلي لجميع حركات الروح هو الوصول إلى مرتبة الكمال. أما الهيكل أو الجسم الذى يتخذه الروح في ذلك المقام فإنه يكون في صورة موافقة للأفق والعالم الذى يحيا فيه. «بعد الصعود (صعود الروح) يحضر بين يدى الله في هيكل لائق بالبقاء ولائق بذلك العالم».(11) وطبيعي أن نظاماً كهذا لا يسمح برجوع الروح إلى حاله الأولى، ولنضرب مثلاً بالفراشة فإنها لايمكن أن تعود إلى حالتها الأولى أى الشرنقة، ولكن الصفات وبعض الخصائص والآثار لعالم الروح تعود مرة أخرى إلى حيز الشهود. وتساعد على تنوير عقول الأحداث الذين يولدون أصلا بفطرة سليمة. فنتائج تجارب الفرد في الحياة تضاف إلى الثروة العامة للإنسانية بينما يكون التعويض كاملاً في العالم الآخر عن المظالم التى حاقت بالكثيرين في هذه الدنيا، ولكن بشكل يفوق إدراكنا. ولما كانت الترقيات الروحانية قانوناً إلهياً. فإن الروح يستمر في تحصيلة للكمالات اللامتناهيه، ويطير دائماً في العوالم التى لا تتناهى. ولكن هذه التطورات أو الترقيات تكون في محيط الرتبة الإنسانية. بمعنى أنها لن تبلغ رتبة الربوبية. «قبل خلع هذا القالب العنصري وبعد خلعه على السواء يحصل الترقي في الكمالات وليس في الرتبة. فلا يوجد كائن آخر أرقى من الإنسان الكامل. ولكن عند ما يصل الإنسان إلى هذا المقام يترقى في الكمالات وليس في الرتبة... لأن الكمالات الإنسانية لا تتناهى، مثلا مهما تصل إليه حقيقة بطرس من الترقى فإنها لن تصل إلى رتبة المسيح، أنها تترقى فقط في محيطها الخاص».(12) وبناء على هذا فإن الروح الإنساني لا يصير إلهياً. والمخلوق لن يكون خالقاً. وقد يتساءل الإنسان أحياناً عن ماسوف يكون عليه حال الأطفال الذين يتوفون في الطفولة. والجواب هو أن هؤلاء الاطفال سيحيون بالتأكيد في العالم الآخر لأنهم اكتسبوا صفة الحياة بولادتهم في هذا العالم، وأنهم سيكونون في ظل المحبة والعناية الإلهية التى تساعد هذه الورود في النمو حتى تتفتح بالمجال الروحاني. أما كيف يجب أن يُنْظَر إلى الموت. فيجيب حضرة عبدالبهاء: «كما ينظر الإنسان إلى نهاية رحلة من الرحلات بالشوق والأمل. وهكذا الحال أيضاً بالنسبة لنهاية الرحلة الأرضية. ففي العالم الآخر يجد الإنسان نفسه متخلصاً من كثير من المتاعب التى يعانيها الآن. والذين رحلوا عنا بالموت لهم عالم خاص بهم ولكنه ليس منفصلاً عنا. فإن عملهم الملكوتي هو عملنا، ولكنه مقدّس عن ما نسميه بالزمان والمكان». فالذين وفُقوا في يوم الله الجديد إلى الإقرار بالحقيقة الرّبانية المشرقة عن رسوله – حضرة بهاءالله، وفازوا بخدمة أمره وإظهار نوره، فإن الموت لا يصيبهم. «الكأس التي هي عين الحياة. أنها تفيض بصهباء الفرح والسرور وتهب الحياة الأبدية... والذين ذاقوا ثمرة الحياة الأولى التى هى الإقرار بالله الواحد الحق، فحياتهم في الآخرة مما لايمكن وصفه إن علمها عند رب العالمين».(13) «يا ابْنَ الرماد – لا تقنع براحه اليوم وتحرم نفسك عن الراحة الأبدية ولا تبدل السرور الباقي بالتراب الفانى فاخرج من سجنك وأعرج إلى الرياض الأنيقة العالية، ومن قفص الإمكان طر إلى رضوان اللامكان».(14) (حضرة بهاء الله) ومن اتبع هذا النصح فقد كَسَرَ أغلاله وذاق حلاوة الحُب وحَصُلَ على مرغوب قلبه، ووضع روحه بين يدي محبوبه، ولما ينطلق من قفصه يطير كطائر الروح إلى عشه المقدس الباقي. «يا عبادى، لاتحزنوا إذا كانت الأحوال في هذه الأيام تسير وتظهر في هذه الدنيا بتقدير الله على غير ما تشتهون، فإن أيام الفرح العظيم والسرور الإلهي مكنونة لكم. وسوف تنكشف لأعينكم العوالم المقدسة الروحانية فقد قدّر لكم من لدّنه نصيب من الخير والفرح والنعيم في الأولى والآخرة ولسوف تحصلون عليها».(15) «إذا آمنتم بي وعملتم ما خُبَّرتْمُ به فأجعلكم أحباء نفسي في جبروت عظمتي، وأصحاب كمالي وملكوت عزي إلى الأبد».(16) المصادر 1. حضرة بهاء الله – الكلمات المكنونه العربيه. 2. حضرة عبد البهاء – من مفاوضات حضرة عبد البهاء. 3. المصدر السابق. 4. المصدر السابق. 5. المصدر السابق. 6. المصدر السابق. 7. المصدر السابق. 8. المصدر السابق. 9. المصدر السابق. 10. المصدر السابق. 11. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 12. حضرة عبد البهاء – من مفاوضات حضرة عبد البهاء 13. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 14. حضرة بهاء الله – الكلمات المكنونة الفارسية (مترجم) 15. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 16. المصدر السابق.

شاهد الموضوع الأصلي من الأقباط متحدون في الرابط التالي http://www.copts-united.com/Arabic2011/Article.php?I=1356&A=38224
المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع الكاتب راندا الحمامصى جميع مقالات الكاتب راسل الكاتب أحدث مقالات الكاتب: نظرة البهائيّة للجنس الجبر والاختيار تقدّم البشرية نحو السلام هذا يوم الله (يوم الرب) ملكوت الآب السماوي طباعة الصفحة فهرس مساحة رأي أرسل الصفحة لأصدقائك : Email This Share to Facebook Share to Twitter Delicious Digg MySpace Google More... تقييم الموضوع : ..... ٠ أصوات مشاركة فى التقييم جديد الموقع نائب رئيس الطائفة الإنجيلية: انسحاب الكنائس الثلاثة موقف جماعى وليس فردى صفوت البياضى للمتحدون: الكنيسة الإنجيلية لم تنسحب من التأسيسية ولم يدعونا أحد للمشاركة فى أي اجتماع للتنسيق فلسطيني بالتحرير: ننتظر سحب سفراء العرب من إسرائيل سما المصري: مرسي بلدياتي وعيلتي إخوان والغنوة ثورية البلتاجي وحجازي: يامرسي قول لهنية.. أوعى يسيب البندقية طفل يشعل المظاهرات ضد إسرائيل في جمعة نصرة غزة اليوم السابع: دموع قنديل فى غزة.. وتحذيرات مرسى من القاهرة وائل غنيم لـ"آخر النهار": القضية الفلسطينية تهم كل عربى مسلم ومسيحى.. ثورة يناير تطبيق للشريعة الإسلامية.. وصول الصراع السياسى للشارع خسارة للجميع.. الشعب جاهز للديمقراطية لكن النخبة "مش" جاهزة مساحة رأي نغماتُ الرّوح الجمعة ١٧ يونيو ٢٠١١ - ٠٠: ١٢ ص +01:00 CET حجم الخط : - + بقلم: راندا الحمامصي «إعتبروا الموت بأنه عين الحياة» حضرة عبدالبهاء إن التعاليم البهائية عن سر الموت والحياة، وهو السر المكنون خلف حجاب الغموض والإبهام من شأنها أن تهب العقول الحائرة والقلوب الحزينة رسالة مشرقة بالأمل والعزاء، وتدفعها شوقاً إلى الحياة النبيلة، لأن حضرة بهاء الله رسول الحق في هذه الدورة الجديدة، وابنه حضرة عبد البهاء المبين لتعاليمه، قد أزاحا بعض الستر الذى يحجب ذلك الخفاء، وكشفا عن الشئ الذى كان يبدو عبثاً وعقيماً. ولكن أسرار الحياة الأخرى ومكنونات الكون مما لايمكن الكشف عنها كاملاً طالما أن لغة البشر هى بالقياس كلغة الأطفال بحيث يكون من المستحيل علينا في هذه الحياة الدنيا أن نفهم هذه الحقيقة فهماً دقيقاً. غير أنه لابد لنا من فهم طائفة من الحقائق من شأنها أن تنير أفكارنا وتحيط جهودنا في حياتنا الأرضية بالإلهام والإرشاد. ولذلك يبدو أن من الضرورى لكي نعرف شيئاً عن كُنه الوجود في الحياة الآخرى، أن نفهم غاية هذه الحياة وبأي نظرة يجب أن ننظر إليها. عالم الأجنّة تعلمنا أن حياة الجسد ماهى إلا مرحلة الجنين من وجودنا ويمكن تشبيهها بالجنين في رحم الأم. حيث ينمو ويترقى في الهيئة والملكات التى يحتاج إليها في العالم الآلي. وكذلك الإنسان يحتاج في حياته الأرضيه إلى تنمية قواه الكامنة وقابلياته أى الصفات الروحانية التى ليست فقط تمكنه من مغالبة الحياة والحصول على السعادة الروحية بل أيضاً تهيّئهُ عند الممات لميلاد جديد في الحياة الآخرى. وعلى هذا تكون الغاية من الحياة على الأرض ليست سوى مرحلة لتمكين الإنسان من تنمية ملكاته بالاستفادة من التجارب التى يجتازها في حالات الفرح والحزن والكفاح والتحصيل والنشاط الموجه توجيهاً صحيحاً، فالمحبة والصفاء والتواضع وإنكار الذات والإستقامة والحكمة والإيمان وخدمة الإنسانية هى الصفات التى عليها تقدم حياته في عوالم الخلد. «يا ابْنَ الرّوح – في أول القول أملك قلباً جيداً حسناً منيراً لتملك ملكاً دائماً باقياً أزلاً قديماً».(1) الجسم العنصري يتفضل حضرة عبد البهاء (مترجماً) «أن الأجسام المادية كما نعلم مكونة من ذرات، فإذا بدأت هذه الذرات في التفرق دبّ الإنحلال ويأتي مانسميه الموت. وهذا التكوين الذرى الذى يتركب منه الجسم أو العنصر الفاني في كل مخلوق هو مؤقت، فإذا إنعدمت قوة الجاذبية التى تؤلف بين هذه العناصر توقف البدن عن الحياة. أما في الروح فالأمر يختلف لأن الروح ليست مركبه من عناصر متحدة أو مكونة من مجموعة ذرات، ولكنها من جوهر واحد لا يتجزأ وهى لذلك خالدة، وبما أنها خارجة بالكلية عن نظام التكوين المادى فلا يعتريها فناء».(2) وعلى هذا يكون أن الجسم المادى ليس إلاّ غطاءً للروح، وهو واسطة التعبير في عالم المادة، فإذا تنحى الغطاء جانباً تحررت الروح من عقالها، ويمكن ببساطة أن نشبه مرحلة الإنتقال هذه باليرقة التى تخرج من سجن الشرنقة في هيئة فراشة تنطلق إلى آفاق جديدة. إلى دنيا أوسع وأفسح من النور والحرية. ومع ذلك فهذا التشبيه لا يعتبر منطبقاً من كل الوجوه، لأن الروح ليست داخلة في الجسد بل متعلقة به أو بعبارة آخرى منعكسة عليه كما تنعكس الشمس على المرآة فاٍذا كسرت المرآة لن تتأثر شمس الروح. فالروح إذاً تستطيع أن تقوم بوظائفها بوساطة الصورة الآلية وبغير وساطتها على حد سواء، ولنا في حاله النوم مثال لقوى الروح المستقلة حيث نجد وقد توقفت كل القوى الآلية – إننا نستطيع أن نرى ونسمع وننتقل بل ونعرف في بعض الأحيان أشياء لم نكن نعرفها ونحن في حالة اليقظة. فالجسم محدود بالحيز والرؤية ولكن الروح لا ترى وليس لها حيز، والزمان والمكان هو من خصائص الأجسام وحدها. الروح والعقل والنفس كثيراً ما يختلط الأمر في تعريف الروح والعقل والنفس، ويكاد يكون الخلاف بين مصطلحات أهل الفلسفة القديمة والحديثة وبين الأديان. إلا أن كل الديانات العظيمة تقول باستمرار الحياة وبأن الروح الإنسانى خالد. وتتفق مع هذا القول الفلسفة العلمية حيث دللت على «أن الجوهر البسيط – والبسيط هنا معناه غير المركب – هو لهذا السبب غير قابل للفناء. ولما كانت الروح ليست كالجسم الذى هو عبارة عن عناصر مركبة وكانت بطبيعتها جوهراً بسيطاً كان من المستحيل أن يعتريها فناء... أى أنها لا يمكن أن يطرأ عليها إنحلال أو فناء ولذلك فلا يوجد سبب لأن يكون لها نهاية».(3) ولكن ما هى النفس؟ يعرفها حضرة عبد البهاء بأنها «هى القوة المحركة لهذا الجسم الآلى الذى يعيش تحت سلطانها الكامل ويتحرك بإرادتها. وللنفس وظيفتان رئيسيتان، فكما أن المؤثرات الخارجية تتصل بالنفس عن طريق العين والأذن والمخ كذلك تقوم النفس بتوصيل رغباتها ومطالبها عن طريق المخ إلى اليد واللسان للجسم الآلى. وتعبر بهذه الواسطة عن نفسها. أما الروح المتعلقة بالنفس أو المضيئة عن طريق النفس فهى جوهر الحياة. والوظيفة الثانية للنفس فإنها تحدث في عالم الرؤيا حيث يكون للنفس التى تتعلق بها الروح وجودها الخاص ووظائفها دون حاجة إلى مساعدة الحواس المادية.فهناك في عالم الرؤيا النفس ترى بغير مساعدة العين الآليه وتسمع بدون مساعدة الأذن المادية. وتنتقل بدون الإعتماد على الحركة المادية. إذاً يكون من الواضح أن الروح المتعلقة بنفس الإنسان (أو المضيئة عن طريقها) يمكنها أن تعمل بواسطة الحواس المادية ويمكنها أيضاً أن تحيّ وتعمل بدون معونتها كما في عالم الرؤيا»(4) الإنسان حر بين أن يدير مرآة نفسه نحو نور الروح وبين أن يحولها نحو الجانب المظلم المادي الحيوانى من طبيعته. «فإذا توجهت النفس إلى العالم المادى ظلت مظلمة ولكن إذا أصبحت مهبط المواهب العقلية تبدّل ظلامها نوراً وتعسفها عدلاً، وجهلها حكمة، ووحشيتها محبة ورحمة، ويتحرر الإنسان من الأنانية ويخلص من العالم المادي»(5) وكذلك العقل فإن له وجوداً معنوياً. واتصاله وعلاقته بالمخ فقط. المخ يستخدمه العقل واسطة للتعبير عن النشاط الروحي والفكري. والعقل هو القوة التى تُمَكّن الإنسان من أن يكتشف أسرار الوجود وتمده بالقدرة التى يُمَحّص بها حقائق الأشياء. فهو بمثابة التعبير الفردى للعقل الكلى الواحد، وبرهان خلود الإنسان، «فالعقل الإنسانى إذا استنار بنور الروح يجعل صاحبه تاج الخليقة؛ هذه هى قوة العقل لأن النفس بمفردها ليست قادرة على كشف أسرار الكون ولكن العقل قادر على ذلك ولهذا فهو قوة أسمى من النفس»(6) ولكن هناك قوة أخرى – قوة ثالثة للإنسان – وهى غير النفس والعقل، وهذة القوة الثالثة هى نور شمس الحقيقة وشعاع من العالم السماوى، هى روح الإيمان التى يشير إليها المسيح بقوله: «المولود من الجسد جسد والمولود من الروح هو روح» ثم يقرنه بالتحذير قوله: «من لم يكن له نصيب من الروح فهو كالميت» ومعنى هذا هو ولو أنه قدّر لكل النفوس أن تحيا بعد مفارقتها الجسد ولكنها تعتبر في حكم الموت إذا قورنت بالنفوس التى حيت بالروح واستمدت حياتها من روح الإيمان، وتلك هى روح القدس التى تنبعث كشعاع الشمس من المظاهر الآلهية الذين يظهرون في العالم بين وقت وآخر، ليساعدوا الإنسانية على رقيها الروحى ومن هؤلاء كان عيسى ومحمد وبوذا وغيرهم من المظاهر العظيمة السابقة. وكل الكائنات سواء أدركوا أو لم يدركوا، وسواء أكانوا في هذا العالم أم في العالم الآخر، هم مهابط أنوارهم ولهم نصيب من بركاتهم. وعلى ذلك إذا فنى الجسم العنصرى فإن الإنسان يستمر مع هذا حياً بروحه وعقله مستمداً حياته من روح الإيمان ويدخل في قصر من القصور المتعددة، أى في اليقظة والإدراك الروحى بحسب الدرجة التى حصل عليها في مرحلة حياته الأرضية. الجنة والنار نجد في كتب الأديان المختلفة المقدسة كالتوراة والإنجيل والقرآن، تصويراً حياً رائعاً لحالة الروح بعد الموت. ولكن هذا التصوير لم يكن إلا رمزاً لا يجوز أخذه على ظاهره أو تفسيره حرفياً. والعبارات المستعملة من قبيل الثواب والعقاب، والسماء والهاوية، وجنات الفردوس والظلمة وأمثالها، إنما يراد بها تصوير كيفية تنكشف حقيقتها في العالم الآخر وهى حالة الفرق في مراتب الإدراك بين الذين جاهدوا في إتباع مُثل طبيعتهم العلوية، ونمو قواهم الرّوحية، وصاروا من «المولود من الروح» وبين الذين غفلوا عن ذلك. فالجنة والنار ليست أماكن بل حالات للروح ويستطيع الإنسان أن ينعم ببعض بشارات الملكوت وهى المواهب الروحانية، وبيده كذلك أن يذوق عذاب جهنم الذى هو عباره عن الحرمان من هذه المواهب حتى ولو كان لا يزال يحيا بجسده وعلى ذلك فجهنم هى فقدان الترقي الروحاني. «وأما المكافأه الآخروية فهى الكمالات والنعم التى يحصل عليها في العوالم الروحانية بعد العروج من هذا العالم، وهذه المكافأة الأخروية هى نعم وألطاف روحانية كالنعم الروحانية في الملكوت الإلهي والحصول على مرغوب القلب والروح. وكذلك المجازات الأخروية، يعنى العذاب الآخروي، هو عبارة عن الحرمان من العنايات الإلهية الخاصة والمواهب الرحمانية والسقوط في أسفل الدركات الوجودية. وكل من يكون محروماً من هذه الألطاف الإلهية ينطبق عليه حكم الأموات عند أهل الحقيقة».(7) فتفاوت البشر في مراتب الأخلاق والكمالات الروحانية وهو التفاوت الذى كثيراً ماتحجبه عوامل البيئة والجاه والثروة والثقافة – سوف تنكشف حقيقته في العالم الآخر، حيث يكون مدى الحياة أوسع مما هو على هذه الأرض. والفرق كبير بين الحالتين، بقدر الفرق بين الجماد والإنسان الكامل. تفضل حضرة بهاء الله: «حقا أقول إن في نفوس الناس مَكْمَنَ عِزّ هم الوحيد. وإن غنى وسعادة العالم الآخر هى في نبل الأخلاق وطهارة القلب وسمو الروح». (مترجم) وحدة الدارين إن الإنفصال الذى نتصوره بين هذا العالم المنظور، وبين العوالم الخفية الآخرى، إنما مرجعه حواسنا البشرية لأن جميعها تكون في الحقيقة كوناً واحداً تتوقف أجزاؤه كل على الأخرى، وتتصل اتصالاً وثيقاً فيما بينها. فالأحياء على الأرض والذين انتقلوا بالتغيير المترتب على حدوث الموت يربطهما نظام واحد في الحالتين. وعلى ذلك كان الإفتراق عن من نحب افتراقاً جسمياً لا أكثر لأن بين المنظور وغير المنظور إتصالاً دائماً. وقد يصبح حقيقة ثابتة عند من أوتى استعداداً كافياً لمثل هذا الإتصال العلوى. بينما يظل الآخرون جاهلين بسره. أما الأنبياء، وكثير من الأولياء فإتصالهم بهذا العالم والعالم الآخر طبيعى وحقيقى. «ويوجد بين الروحانيين إدراكات روحانية وإكتشافات وجدانية مقدسة عن الوهم والقياس، وإتحاد وتآلف مُنَزَّه عن الزمان والمكان. مثلا مذكور في الإنجيل أن موسى وايليا أتيا عند المسيح في جبل طابور. فمن الواضح أن هذه الألفة لم تكن جسمانية، بل كانت كيفية روحانية عبّر عنها بالملاقاة – ولها حقيقة وآثار عجيبة في العقول والأفكار، ويظهر لها إنجذاب عظيم في القلوب».(8) ونحن عندما نكون في حالة استعداد للإتصال العلوي كما في حالة الأحلام، حيث تكون الروح ضعيفة التعلق بالبدن، تستطيع إلهامات العالم الآخر أن تصل إلينا وتتصل بسرعة البرق بالإدراك الواعي. وطبيعي أن تعترف التعاليم البهائية بصحة بعض القوى الروحية الخارقة. ولكنها تحذر من أن يكون الباعث على الإتصال بمن صعدوا مجرد التفكه أو الحصول على أشياء لأنفسنا. لأن الحقيقة جوهر مُنَزَّه عن المكان ولايتشكل في صورة من الصور. والإتصال الحقيقى بمن صعدوا – وهو اللقاء المؤكد المأمون – يمكن دائماً حصوله عن طريق المحبة والصلاة أى بالكيفية الروحانية. وأن من الحكمة ترك القوى النفسية الكامنة تأخذ طريقها الطبيعي في الإنكشاف التدريجي كلما إزداد الروح إلتصاقاً بالمثل العليا، التى هى حياة الطهر وعدم الأنانية.لأنه قد يكون في ظهور هذه القوى قبل إستكمال نضوجها تأثير على مركز الروح في العالم العلوي، حيث تبلغ أمثال هذه القوى تمام الفاعلية. الصلاة من أجل مَن صعدوا فُرضت على البهائيين الصلاة من أجل من يسمون (الأموات). وقد نزلت صلوات خاصة بهم منها صلاة بطلب المغفرة، وصلاة بطلب الهداية، وصلاة بطلب السعادة والترقي. لأن الترقى في العالم الآخر لايزال قانون الحياة، ولأن رحمة الله واسعة وملائكتة على الدوام مقربون. «إن الذين صعدوا اٍلى الله لهم أوصاف تخالف صفات الذين لم يلحقوا بهم. ولكن لايوجد فرق حقيقي بين الفريقين، ففي الصلاة يحصل الإتصال بهم إتصالاً حقيقياً. فَصَلُّوا لأجلهم كما يصلون لأجلكم... والتأثير الحقيقي هو في ذاك العالم وليس في هذا العالم».(9) وعلى ذلك فالصلاة من خلف الحجاب – أى ممن صعدوا أو ممن لايزالون على الأرض بعد – تصعد إلى الحقيقة الآلهية التى تطوف حول قدس ساحتها أرواح جميع البشر. الترقي الروحاني أن مجموع الشواهد العلمية المتزايدة، وكذلك جمعية الأبحاث النفسية تؤيد التعاليم البهائية في أن الروح بعد مفارقتة البدن يستمر في حياته ونشاطه في عوالم يكون فيها الزمان والمكان الحسي معدوم. وفي هذه الحالة التى يصبح الروح محرراً «تصير إحساساته أشد قوة وإدركاته أوسع وسعادته أوفر». والذين رقّوا إدراكهم الروحي، ينتظرهم مصير مجيد من الخلود والترقى الكمالي الغير محدود في عوالم الله التى لا تتناهى، وهو الترقي اللا متناهي في المحبة والحكمة والفرح. وكما أن الحب هو القانون الأساسى الذى يربط الأرواح هنا. فهو كذلك الذى يربط بينها هناك، ولكن في مقياس أوسع وأشد، حيث (معاشرة الأولياء) يكون جزءاً كاملاً للحياة الأبدية. «إن الأسرار التى لايعرفها الإنسان في هذه الدنيا تكون واضحة مكشوفة في العالم الآخر، وفيه نفهم أسرار الحق. فبالأحرى نعرف الأشخاص الذين كنا نعاشرهم. ولاشك أن النفوس المقدسة الذين يكون لهم قلب طاهر وبصيرة نافذة يطلّعون على جميع الأسرار في ملكوت الأنوار ويطلبون مشاهدة حقائق النفوس الكبار. ويرون جمال الله في ذلك العالم كذلك يرون أحباء الله من الأولين والآخرين مجموعين في الرفيق الأعلى».(10) وبما أن المحبة في هذا العالم هى سلطان الحياة فسيجد الذين توثقت بينهم روابط الحب والإخلاص الحقيقي أن هذه العلاقة قد أصبحت بالمعاشرة الروحية أمتن وأقوى بما يفوق بكثير ماكان يمكن أن تكون عليه في هذه الدنيا. بينما «لا يستطيع مخلوق أن يتصور ما أعده الله للمرء وزوجه من الإتحاد والوفاق» إذا كانا قد أسسا كيانهما الروحي على الحب المتبادل. ومع أن الأسرار التى تحيط بمسألة إئتلاف وإتحاد الأرواح في العالم العلوى كثيرة مستترة إلا أنه يمكننا أن نلمح بارقة من البشارة والجمال المودع فيهما – وهنا نتغنى كما تغنى الشاعر عندما قال إن علينا أن «نقبض على أحلى اللحظات من بين أحلامنا المحطمة» ونجرب ذاك الشيء الذى يرتفع عن كل تصور. ولكن يعترضنا سؤال وهو كيف يمكن الإحتفاظ بالشخصية الفردية للروح في العوالم العليا؟ كل ما نستطيعه في دائرة إدراكاتنا المحدودة هو أن نمسك بطرف هذا الخيط الدقيق. ففي روح الإنسان وعقله توجد كل القوى التى من شأنها أن تمكنه من الفوز بالحياة الخالدة. ومن ظهور ملكاته الروحانية في مراحل ترقياتها المضطردة. مثل ذلك كالبذرة الصغيرة الضئيلة فإن فيها توجد سائر خواص شجرة البلوط العاتية. ولما كانت الحركة هى القانون الأساسي للوجود فإن حالة الجمود لا وجود لها في عالم الروح. كما لا يمكن لهذه الحركة أن ترجعه إلى الوراء. بل أن المطلب الكلي لجميع حركات الروح هو الوصول إلى مرتبة الكمال. أما الهيكل أو الجسم الذى يتخذه الروح في ذلك المقام فإنه يكون في صورة موافقة للأفق والعالم الذى يحيا فيه. «بعد الصعود (صعود الروح) يحضر بين يدى الله في هيكل لائق بالبقاء ولائق بذلك العالم».(11) وطبيعي أن نظاماً كهذا لا يسمح برجوع الروح إلى حاله الأولى، ولنضرب مثلاً بالفراشة فإنها لايمكن أن تعود إلى حالتها الأولى أى الشرنقة، ولكن الصفات وبعض الخصائص والآثار لعالم الروح تعود مرة أخرى إلى حيز الشهود. وتساعد على تنوير عقول الأحداث الذين يولدون أصلا بفطرة سليمة. فنتائج تجارب الفرد في الحياة تضاف إلى الثروة العامة للإنسانية بينما يكون التعويض كاملاً في العالم الآخر عن المظالم التى حاقت بالكثيرين في هذه الدنيا، ولكن بشكل يفوق إدراكنا. ولما كانت الترقيات الروحانية قانوناً إلهياً. فإن الروح يستمر في تحصيلة للكمالات اللامتناهيه، ويطير دائماً في العوالم التى لا تتناهى. ولكن هذه التطورات أو الترقيات تكون في محيط الرتبة الإنسانية. بمعنى أنها لن تبلغ رتبة الربوبية. «قبل خلع هذا القالب العنصري وبعد خلعه على السواء يحصل الترقي في الكمالات وليس في الرتبة. فلا يوجد كائن آخر أرقى من الإنسان الكامل. ولكن عند ما يصل الإنسان إلى هذا المقام يترقى في الكمالات وليس في الرتبة... لأن الكمالات الإنسانية لا تتناهى، مثلا مهما تصل إليه حقيقة بطرس من الترقى فإنها لن تصل إلى رتبة المسيح، أنها تترقى فقط في محيطها الخاص».(12) وبناء على هذا فإن الروح الإنساني لا يصير إلهياً. والمخلوق لن يكون خالقاً. وقد يتساءل الإنسان أحياناً عن ماسوف يكون عليه حال الأطفال الذين يتوفون في الطفولة. والجواب هو أن هؤلاء الاطفال سيحيون بالتأكيد في العالم الآخر لأنهم اكتسبوا صفة الحياة بولادتهم في هذا العالم، وأنهم سيكونون في ظل المحبة والعناية الإلهية التى تساعد هذه الورود في النمو حتى تتفتح بالمجال الروحاني. أما كيف يجب أن يُنْظَر إلى الموت. فيجيب حضرة عبدالبهاء: «كما ينظر الإنسان إلى نهاية رحلة من الرحلات بالشوق والأمل. وهكذا الحال أيضاً بالنسبة لنهاية الرحلة الأرضية. ففي العالم الآخر يجد الإنسان نفسه متخلصاً من كثير من المتاعب التى يعانيها الآن. والذين رحلوا عنا بالموت لهم عالم خاص بهم ولكنه ليس منفصلاً عنا. فإن عملهم الملكوتي هو عملنا، ولكنه مقدّس عن ما نسميه بالزمان والمكان». فالذين وفُقوا في يوم الله الجديد إلى الإقرار بالحقيقة الرّبانية المشرقة عن رسوله – حضرة بهاءالله، وفازوا بخدمة أمره وإظهار نوره، فإن الموت لا يصيبهم. «الكأس التي هي عين الحياة. أنها تفيض بصهباء الفرح والسرور وتهب الحياة الأبدية... والذين ذاقوا ثمرة الحياة الأولى التى هى الإقرار بالله الواحد الحق، فحياتهم في الآخرة مما لايمكن وصفه إن علمها عند رب العالمين».(13) «يا ابْنَ الرماد – لا تقنع براحه اليوم وتحرم نفسك عن الراحة الأبدية ولا تبدل السرور الباقي بالتراب الفانى فاخرج من سجنك وأعرج إلى الرياض الأنيقة العالية، ومن قفص الإمكان طر إلى رضوان اللامكان».(14) (حضرة بهاء الله) ومن اتبع هذا النصح فقد كَسَرَ أغلاله وذاق حلاوة الحُب وحَصُلَ على مرغوب قلبه، ووضع روحه بين يدي محبوبه، ولما ينطلق من قفصه يطير كطائر الروح إلى عشه المقدس الباقي. «يا عبادى، لاتحزنوا إذا كانت الأحوال في هذه الأيام تسير وتظهر في هذه الدنيا بتقدير الله على غير ما تشتهون، فإن أيام الفرح العظيم والسرور الإلهي مكنونة لكم. وسوف تنكشف لأعينكم العوالم المقدسة الروحانية فقد قدّر لكم من لدّنه نصيب من الخير والفرح والنعيم في الأولى والآخرة ولسوف تحصلون عليها».(15) «إذا آمنتم بي وعملتم ما خُبَّرتْمُ به فأجعلكم أحباء نفسي في جبروت عظمتي، وأصحاب كمالي وملكوت عزي إلى الأبد».(16) المصادر 1. حضرة بهاء الله – الكلمات المكنونه العربيه. 2. حضرة عبد البهاء – من مفاوضات حضرة عبد البهاء. 3. المصدر السابق. 4. المصدر السابق. 5. المصدر السابق. 6. المصدر السابق. 7. المصدر السابق. 8. المصدر السابق. 9. المصدر السابق. 10. المصدر السابق. 11. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 12. حضرة عبد البهاء – من مفاوضات حضرة عبد البهاء 13. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 14. حضرة بهاء الله – الكلمات المكنونة الفارسية (مترجم) 15. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 16. المصدر السابق. تابعونا على صفحتنا علي الفيسبوك المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع تقييم الموضوع : 1 2 3 4 5 تعليقات القراء

شاهد الموضوع الأصلي من الأقباط متحدون في الرابط التالي http://www.copts-united.com/Arabic2011/Article.php?I=1356&A=38224
المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع الكاتب راندا الحمامصى جميع مقالات الكاتب راسل الكاتب أحدث مقالات الكاتب: نظرة البهائيّة للجنس الجبر والاختيار تقدّم البشرية نحو السلام هذا يوم الله (يوم الرب) ملكوت الآب السماوي طباعة الصفحة فهرس مساحة رأي أرسل الصفحة لأصدقائك : Email This Share to Facebook Share to Twitter Delicious Digg MySpace Google More... تقييم الموضوع : ..... ٠ أصوات مشاركة فى التقييم جديد الموقع نائب رئيس الطائفة الإنجيلية: انسحاب الكنائس الثلاثة موقف جماعى وليس فردى صفوت البياضى للمتحدون: الكنيسة الإنجيلية لم تنسحب من التأسيسية ولم يدعونا أحد للمشاركة فى أي اجتماع للتنسيق فلسطيني بالتحرير: ننتظر سحب سفراء العرب من إسرائيل سما المصري: مرسي بلدياتي وعيلتي إخوان والغنوة ثورية البلتاجي وحجازي: يامرسي قول لهنية.. أوعى يسيب البندقية طفل يشعل المظاهرات ضد إسرائيل في جمعة نصرة غزة اليوم السابع: دموع قنديل فى غزة.. وتحذيرات مرسى من القاهرة وائل غنيم لـ"آخر النهار": القضية الفلسطينية تهم كل عربى مسلم ومسيحى.. ثورة يناير تطبيق للشريعة الإسلامية.. وصول الصراع السياسى للشارع خسارة للجميع.. الشعب جاهز للديمقراطية لكن النخبة "مش" جاهزة مساحة رأي نغماتُ الرّوح الجمعة ١٧ يونيو ٢٠١١ - ٠٠: ١٢ ص +01:00 CET حجم الخط : - + بقلم: راندا الحمامصي «إعتبروا الموت بأنه عين الحياة» حضرة عبدالبهاء إن التعاليم البهائية عن سر الموت والحياة، وهو السر المكنون خلف حجاب الغموض والإبهام من شأنها أن تهب العقول الحائرة والقلوب الحزينة رسالة مشرقة بالأمل والعزاء، وتدفعها شوقاً إلى الحياة النبيلة، لأن حضرة بهاء الله رسول الحق في هذه الدورة الجديدة، وابنه حضرة عبد البهاء المبين لتعاليمه، قد أزاحا بعض الستر الذى يحجب ذلك الخفاء، وكشفا عن الشئ الذى كان يبدو عبثاً وعقيماً. ولكن أسرار الحياة الأخرى ومكنونات الكون مما لايمكن الكشف عنها كاملاً طالما أن لغة البشر هى بالقياس كلغة الأطفال بحيث يكون من المستحيل علينا في هذه الحياة الدنيا أن نفهم هذه الحقيقة فهماً دقيقاً. غير أنه لابد لنا من فهم طائفة من الحقائق من شأنها أن تنير أفكارنا وتحيط جهودنا في حياتنا الأرضية بالإلهام والإرشاد. ولذلك يبدو أن من الضرورى لكي نعرف شيئاً عن كُنه الوجود في الحياة الآخرى، أن نفهم غاية هذه الحياة وبأي نظرة يجب أن ننظر إليها. عالم الأجنّة تعلمنا أن حياة الجسد ماهى إلا مرحلة الجنين من وجودنا ويمكن تشبيهها بالجنين في رحم الأم. حيث ينمو ويترقى في الهيئة والملكات التى يحتاج إليها في العالم الآلي. وكذلك الإنسان يحتاج في حياته الأرضيه إلى تنمية قواه الكامنة وقابلياته أى الصفات الروحانية التى ليست فقط تمكنه من مغالبة الحياة والحصول على السعادة الروحية بل أيضاً تهيّئهُ عند الممات لميلاد جديد في الحياة الآخرى. وعلى هذا تكون الغاية من الحياة على الأرض ليست سوى مرحلة لتمكين الإنسان من تنمية ملكاته بالاستفادة من التجارب التى يجتازها في حالات الفرح والحزن والكفاح والتحصيل والنشاط الموجه توجيهاً صحيحاً، فالمحبة والصفاء والتواضع وإنكار الذات والإستقامة والحكمة والإيمان وخدمة الإنسانية هى الصفات التى عليها تقدم حياته في عوالم الخلد. «يا ابْنَ الرّوح – في أول القول أملك قلباً جيداً حسناً منيراً لتملك ملكاً دائماً باقياً أزلاً قديماً».(1) الجسم العنصري يتفضل حضرة عبد البهاء (مترجماً) «أن الأجسام المادية كما نعلم مكونة من ذرات، فإذا بدأت هذه الذرات في التفرق دبّ الإنحلال ويأتي مانسميه الموت. وهذا التكوين الذرى الذى يتركب منه الجسم أو العنصر الفاني في كل مخلوق هو مؤقت، فإذا إنعدمت قوة الجاذبية التى تؤلف بين هذه العناصر توقف البدن عن الحياة. أما في الروح فالأمر يختلف لأن الروح ليست مركبه من عناصر متحدة أو مكونة من مجموعة ذرات، ولكنها من جوهر واحد لا يتجزأ وهى لذلك خالدة، وبما أنها خارجة بالكلية عن نظام التكوين المادى فلا يعتريها فناء».(2) وعلى هذا يكون أن الجسم المادى ليس إلاّ غطاءً للروح، وهو واسطة التعبير في عالم المادة، فإذا تنحى الغطاء جانباً تحررت الروح من عقالها، ويمكن ببساطة أن نشبه مرحلة الإنتقال هذه باليرقة التى تخرج من سجن الشرنقة في هيئة فراشة تنطلق إلى آفاق جديدة. إلى دنيا أوسع وأفسح من النور والحرية. ومع ذلك فهذا التشبيه لا يعتبر منطبقاً من كل الوجوه، لأن الروح ليست داخلة في الجسد بل متعلقة به أو بعبارة آخرى منعكسة عليه كما تنعكس الشمس على المرآة فاٍذا كسرت المرآة لن تتأثر شمس الروح. فالروح إذاً تستطيع أن تقوم بوظائفها بوساطة الصورة الآلية وبغير وساطتها على حد سواء، ولنا في حاله النوم مثال لقوى الروح المستقلة حيث نجد وقد توقفت كل القوى الآلية – إننا نستطيع أن نرى ونسمع وننتقل بل ونعرف في بعض الأحيان أشياء لم نكن نعرفها ونحن في حالة اليقظة. فالجسم محدود بالحيز والرؤية ولكن الروح لا ترى وليس لها حيز، والزمان والمكان هو من خصائص الأجسام وحدها. الروح والعقل والنفس كثيراً ما يختلط الأمر في تعريف الروح والعقل والنفس، ويكاد يكون الخلاف بين مصطلحات أهل الفلسفة القديمة والحديثة وبين الأديان. إلا أن كل الديانات العظيمة تقول باستمرار الحياة وبأن الروح الإنسانى خالد. وتتفق مع هذا القول الفلسفة العلمية حيث دللت على «أن الجوهر البسيط – والبسيط هنا معناه غير المركب – هو لهذا السبب غير قابل للفناء. ولما كانت الروح ليست كالجسم الذى هو عبارة عن عناصر مركبة وكانت بطبيعتها جوهراً بسيطاً كان من المستحيل أن يعتريها فناء... أى أنها لا يمكن أن يطرأ عليها إنحلال أو فناء ولذلك فلا يوجد سبب لأن يكون لها نهاية».(3) ولكن ما هى النفس؟ يعرفها حضرة عبد البهاء بأنها «هى القوة المحركة لهذا الجسم الآلى الذى يعيش تحت سلطانها الكامل ويتحرك بإرادتها. وللنفس وظيفتان رئيسيتان، فكما أن المؤثرات الخارجية تتصل بالنفس عن طريق العين والأذن والمخ كذلك تقوم النفس بتوصيل رغباتها ومطالبها عن طريق المخ إلى اليد واللسان للجسم الآلى. وتعبر بهذه الواسطة عن نفسها. أما الروح المتعلقة بالنفس أو المضيئة عن طريق النفس فهى جوهر الحياة. والوظيفة الثانية للنفس فإنها تحدث في عالم الرؤيا حيث يكون للنفس التى تتعلق بها الروح وجودها الخاص ووظائفها دون حاجة إلى مساعدة الحواس المادية.فهناك في عالم الرؤيا النفس ترى بغير مساعدة العين الآليه وتسمع بدون مساعدة الأذن المادية. وتنتقل بدون الإعتماد على الحركة المادية. إذاً يكون من الواضح أن الروح المتعلقة بنفس الإنسان (أو المضيئة عن طريقها) يمكنها أن تعمل بواسطة الحواس المادية ويمكنها أيضاً أن تحيّ وتعمل بدون معونتها كما في عالم الرؤيا»(4) الإنسان حر بين أن يدير مرآة نفسه نحو نور الروح وبين أن يحولها نحو الجانب المظلم المادي الحيوانى من طبيعته. «فإذا توجهت النفس إلى العالم المادى ظلت مظلمة ولكن إذا أصبحت مهبط المواهب العقلية تبدّل ظلامها نوراً وتعسفها عدلاً، وجهلها حكمة، ووحشيتها محبة ورحمة، ويتحرر الإنسان من الأنانية ويخلص من العالم المادي»(5) وكذلك العقل فإن له وجوداً معنوياً. واتصاله وعلاقته بالمخ فقط. المخ يستخدمه العقل واسطة للتعبير عن النشاط الروحي والفكري. والعقل هو القوة التى تُمَكّن الإنسان من أن يكتشف أسرار الوجود وتمده بالقدرة التى يُمَحّص بها حقائق الأشياء. فهو بمثابة التعبير الفردى للعقل الكلى الواحد، وبرهان خلود الإنسان، «فالعقل الإنسانى إذا استنار بنور الروح يجعل صاحبه تاج الخليقة؛ هذه هى قوة العقل لأن النفس بمفردها ليست قادرة على كشف أسرار الكون ولكن العقل قادر على ذلك ولهذا فهو قوة أسمى من النفس»(6) ولكن هناك قوة أخرى – قوة ثالثة للإنسان – وهى غير النفس والعقل، وهذة القوة الثالثة هى نور شمس الحقيقة وشعاع من العالم السماوى، هى روح الإيمان التى يشير إليها المسيح بقوله: «المولود من الجسد جسد والمولود من الروح هو روح» ثم يقرنه بالتحذير قوله: «من لم يكن له نصيب من الروح فهو كالميت» ومعنى هذا هو ولو أنه قدّر لكل النفوس أن تحيا بعد مفارقتها الجسد ولكنها تعتبر في حكم الموت إذا قورنت بالنفوس التى حيت بالروح واستمدت حياتها من روح الإيمان، وتلك هى روح القدس التى تنبعث كشعاع الشمس من المظاهر الآلهية الذين يظهرون في العالم بين وقت وآخر، ليساعدوا الإنسانية على رقيها الروحى ومن هؤلاء كان عيسى ومحمد وبوذا وغيرهم من المظاهر العظيمة السابقة. وكل الكائنات سواء أدركوا أو لم يدركوا، وسواء أكانوا في هذا العالم أم في العالم الآخر، هم مهابط أنوارهم ولهم نصيب من بركاتهم. وعلى ذلك إذا فنى الجسم العنصرى فإن الإنسان يستمر مع هذا حياً بروحه وعقله مستمداً حياته من روح الإيمان ويدخل في قصر من القصور المتعددة، أى في اليقظة والإدراك الروحى بحسب الدرجة التى حصل عليها في مرحلة حياته الأرضية. الجنة والنار نجد في كتب الأديان المختلفة المقدسة كالتوراة والإنجيل والقرآن، تصويراً حياً رائعاً لحالة الروح بعد الموت. ولكن هذا التصوير لم يكن إلا رمزاً لا يجوز أخذه على ظاهره أو تفسيره حرفياً. والعبارات المستعملة من قبيل الثواب والعقاب، والسماء والهاوية، وجنات الفردوس والظلمة وأمثالها، إنما يراد بها تصوير كيفية تنكشف حقيقتها في العالم الآخر وهى حالة الفرق في مراتب الإدراك بين الذين جاهدوا في إتباع مُثل طبيعتهم العلوية، ونمو قواهم الرّوحية، وصاروا من «المولود من الروح» وبين الذين غفلوا عن ذلك. فالجنة والنار ليست أماكن بل حالات للروح ويستطيع الإنسان أن ينعم ببعض بشارات الملكوت وهى المواهب الروحانية، وبيده كذلك أن يذوق عذاب جهنم الذى هو عباره عن الحرمان من هذه المواهب حتى ولو كان لا يزال يحيا بجسده وعلى ذلك فجهنم هى فقدان الترقي الروحاني. «وأما المكافأه الآخروية فهى الكمالات والنعم التى يحصل عليها في العوالم الروحانية بعد العروج من هذا العالم، وهذه المكافأة الأخروية هى نعم وألطاف روحانية كالنعم الروحانية في الملكوت الإلهي والحصول على مرغوب القلب والروح. وكذلك المجازات الأخروية، يعنى العذاب الآخروي، هو عبارة عن الحرمان من العنايات الإلهية الخاصة والمواهب الرحمانية والسقوط في أسفل الدركات الوجودية. وكل من يكون محروماً من هذه الألطاف الإلهية ينطبق عليه حكم الأموات عند أهل الحقيقة».(7) فتفاوت البشر في مراتب الأخلاق والكمالات الروحانية وهو التفاوت الذى كثيراً ماتحجبه عوامل البيئة والجاه والثروة والثقافة – سوف تنكشف حقيقته في العالم الآخر، حيث يكون مدى الحياة أوسع مما هو على هذه الأرض. والفرق كبير بين الحالتين، بقدر الفرق بين الجماد والإنسان الكامل. تفضل حضرة بهاء الله: «حقا أقول إن في نفوس الناس مَكْمَنَ عِزّ هم الوحيد. وإن غنى وسعادة العالم الآخر هى في نبل الأخلاق وطهارة القلب وسمو الروح». (مترجم) وحدة الدارين إن الإنفصال الذى نتصوره بين هذا العالم المنظور، وبين العوالم الخفية الآخرى، إنما مرجعه حواسنا البشرية لأن جميعها تكون في الحقيقة كوناً واحداً تتوقف أجزاؤه كل على الأخرى، وتتصل اتصالاً وثيقاً فيما بينها. فالأحياء على الأرض والذين انتقلوا بالتغيير المترتب على حدوث الموت يربطهما نظام واحد في الحالتين. وعلى ذلك كان الإفتراق عن من نحب افتراقاً جسمياً لا أكثر لأن بين المنظور وغير المنظور إتصالاً دائماً. وقد يصبح حقيقة ثابتة عند من أوتى استعداداً كافياً لمثل هذا الإتصال العلوى. بينما يظل الآخرون جاهلين بسره. أما الأنبياء، وكثير من الأولياء فإتصالهم بهذا العالم والعالم الآخر طبيعى وحقيقى. «ويوجد بين الروحانيين إدراكات روحانية وإكتشافات وجدانية مقدسة عن الوهم والقياس، وإتحاد وتآلف مُنَزَّه عن الزمان والمكان. مثلا مذكور في الإنجيل أن موسى وايليا أتيا عند المسيح في جبل طابور. فمن الواضح أن هذه الألفة لم تكن جسمانية، بل كانت كيفية روحانية عبّر عنها بالملاقاة – ولها حقيقة وآثار عجيبة في العقول والأفكار، ويظهر لها إنجذاب عظيم في القلوب».(8) ونحن عندما نكون في حالة استعداد للإتصال العلوي كما في حالة الأحلام، حيث تكون الروح ضعيفة التعلق بالبدن، تستطيع إلهامات العالم الآخر أن تصل إلينا وتتصل بسرعة البرق بالإدراك الواعي. وطبيعي أن تعترف التعاليم البهائية بصحة بعض القوى الروحية الخارقة. ولكنها تحذر من أن يكون الباعث على الإتصال بمن صعدوا مجرد التفكه أو الحصول على أشياء لأنفسنا. لأن الحقيقة جوهر مُنَزَّه عن المكان ولايتشكل في صورة من الصور. والإتصال الحقيقى بمن صعدوا – وهو اللقاء المؤكد المأمون – يمكن دائماً حصوله عن طريق المحبة والصلاة أى بالكيفية الروحانية. وأن من الحكمة ترك القوى النفسية الكامنة تأخذ طريقها الطبيعي في الإنكشاف التدريجي كلما إزداد الروح إلتصاقاً بالمثل العليا، التى هى حياة الطهر وعدم الأنانية.لأنه قد يكون في ظهور هذه القوى قبل إستكمال نضوجها تأثير على مركز الروح في العالم العلوي، حيث تبلغ أمثال هذه القوى تمام الفاعلية. الصلاة من أجل مَن صعدوا فُرضت على البهائيين الصلاة من أجل من يسمون (الأموات). وقد نزلت صلوات خاصة بهم منها صلاة بطلب المغفرة، وصلاة بطلب الهداية، وصلاة بطلب السعادة والترقي. لأن الترقى في العالم الآخر لايزال قانون الحياة، ولأن رحمة الله واسعة وملائكتة على الدوام مقربون. «إن الذين صعدوا اٍلى الله لهم أوصاف تخالف صفات الذين لم يلحقوا بهم. ولكن لايوجد فرق حقيقي بين الفريقين، ففي الصلاة يحصل الإتصال بهم إتصالاً حقيقياً. فَصَلُّوا لأجلهم كما يصلون لأجلكم... والتأثير الحقيقي هو في ذاك العالم وليس في هذا العالم».(9) وعلى ذلك فالصلاة من خلف الحجاب – أى ممن صعدوا أو ممن لايزالون على الأرض بعد – تصعد إلى الحقيقة الآلهية التى تطوف حول قدس ساحتها أرواح جميع البشر. الترقي الروحاني أن مجموع الشواهد العلمية المتزايدة، وكذلك جمعية الأبحاث النفسية تؤيد التعاليم البهائية في أن الروح بعد مفارقتة البدن يستمر في حياته ونشاطه في عوالم يكون فيها الزمان والمكان الحسي معدوم. وفي هذه الحالة التى يصبح الروح محرراً «تصير إحساساته أشد قوة وإدركاته أوسع وسعادته أوفر». والذين رقّوا إدراكهم الروحي، ينتظرهم مصير مجيد من الخلود والترقى الكمالي الغير محدود في عوالم الله التى لا تتناهى، وهو الترقي اللا متناهي في المحبة والحكمة والفرح. وكما أن الحب هو القانون الأساسى الذى يربط الأرواح هنا. فهو كذلك الذى يربط بينها هناك، ولكن في مقياس أوسع وأشد، حيث (معاشرة الأولياء) يكون جزءاً كاملاً للحياة الأبدية. «إن الأسرار التى لايعرفها الإنسان في هذه الدنيا تكون واضحة مكشوفة في العالم الآخر، وفيه نفهم أسرار الحق. فبالأحرى نعرف الأشخاص الذين كنا نعاشرهم. ولاشك أن النفوس المقدسة الذين يكون لهم قلب طاهر وبصيرة نافذة يطلّعون على جميع الأسرار في ملكوت الأنوار ويطلبون مشاهدة حقائق النفوس الكبار. ويرون جمال الله في ذلك العالم كذلك يرون أحباء الله من الأولين والآخرين مجموعين في الرفيق الأعلى».(10) وبما أن المحبة في هذا العالم هى سلطان الحياة فسيجد الذين توثقت بينهم روابط الحب والإخلاص الحقيقي أن هذه العلاقة قد أصبحت بالمعاشرة الروحية أمتن وأقوى بما يفوق بكثير ماكان يمكن أن تكون عليه في هذه الدنيا. بينما «لا يستطيع مخلوق أن يتصور ما أعده الله للمرء وزوجه من الإتحاد والوفاق» إذا كانا قد أسسا كيانهما الروحي على الحب المتبادل. ومع أن الأسرار التى تحيط بمسألة إئتلاف وإتحاد الأرواح في العالم العلوى كثيرة مستترة إلا أنه يمكننا أن نلمح بارقة من البشارة والجمال المودع فيهما – وهنا نتغنى كما تغنى الشاعر عندما قال إن علينا أن «نقبض على أحلى اللحظات من بين أحلامنا المحطمة» ونجرب ذاك الشيء الذى يرتفع عن كل تصور. ولكن يعترضنا سؤال وهو كيف يمكن الإحتفاظ بالشخصية الفردية للروح في العوالم العليا؟ كل ما نستطيعه في دائرة إدراكاتنا المحدودة هو أن نمسك بطرف هذا الخيط الدقيق. ففي روح الإنسان وعقله توجد كل القوى التى من شأنها أن تمكنه من الفوز بالحياة الخالدة. ومن ظهور ملكاته الروحانية في مراحل ترقياتها المضطردة. مثل ذلك كالبذرة الصغيرة الضئيلة فإن فيها توجد سائر خواص شجرة البلوط العاتية. ولما كانت الحركة هى القانون الأساسي للوجود فإن حالة الجمود لا وجود لها في عالم الروح. كما لا يمكن لهذه الحركة أن ترجعه إلى الوراء. بل أن المطلب الكلي لجميع حركات الروح هو الوصول إلى مرتبة الكمال. أما الهيكل أو الجسم الذى يتخذه الروح في ذلك المقام فإنه يكون في صورة موافقة للأفق والعالم الذى يحيا فيه. «بعد الصعود (صعود الروح) يحضر بين يدى الله في هيكل لائق بالبقاء ولائق بذلك العالم».(11) وطبيعي أن نظاماً كهذا لا يسمح برجوع الروح إلى حاله الأولى، ولنضرب مثلاً بالفراشة فإنها لايمكن أن تعود إلى حالتها الأولى أى الشرنقة، ولكن الصفات وبعض الخصائص والآثار لعالم الروح تعود مرة أخرى إلى حيز الشهود. وتساعد على تنوير عقول الأحداث الذين يولدون أصلا بفطرة سليمة. فنتائج تجارب الفرد في الحياة تضاف إلى الثروة العامة للإنسانية بينما يكون التعويض كاملاً في العالم الآخر عن المظالم التى حاقت بالكثيرين في هذه الدنيا، ولكن بشكل يفوق إدراكنا. ولما كانت الترقيات الروحانية قانوناً إلهياً. فإن الروح يستمر في تحصيلة للكمالات اللامتناهيه، ويطير دائماً في العوالم التى لا تتناهى. ولكن هذه التطورات أو الترقيات تكون في محيط الرتبة الإنسانية. بمعنى أنها لن تبلغ رتبة الربوبية. «قبل خلع هذا القالب العنصري وبعد خلعه على السواء يحصل الترقي في الكمالات وليس في الرتبة. فلا يوجد كائن آخر أرقى من الإنسان الكامل. ولكن عند ما يصل الإنسان إلى هذا المقام يترقى في الكمالات وليس في الرتبة... لأن الكمالات الإنسانية لا تتناهى، مثلا مهما تصل إليه حقيقة بطرس من الترقى فإنها لن تصل إلى رتبة المسيح، أنها تترقى فقط في محيطها الخاص».(12) وبناء على هذا فإن الروح الإنساني لا يصير إلهياً. والمخلوق لن يكون خالقاً. وقد يتساءل الإنسان أحياناً عن ماسوف يكون عليه حال الأطفال الذين يتوفون في الطفولة. والجواب هو أن هؤلاء الاطفال سيحيون بالتأكيد في العالم الآخر لأنهم اكتسبوا صفة الحياة بولادتهم في هذا العالم، وأنهم سيكونون في ظل المحبة والعناية الإلهية التى تساعد هذه الورود في النمو حتى تتفتح بالمجال الروحاني. أما كيف يجب أن يُنْظَر إلى الموت. فيجيب حضرة عبدالبهاء: «كما ينظر الإنسان إلى نهاية رحلة من الرحلات بالشوق والأمل. وهكذا الحال أيضاً بالنسبة لنهاية الرحلة الأرضية. ففي العالم الآخر يجد الإنسان نفسه متخلصاً من كثير من المتاعب التى يعانيها الآن. والذين رحلوا عنا بالموت لهم عالم خاص بهم ولكنه ليس منفصلاً عنا. فإن عملهم الملكوتي هو عملنا، ولكنه مقدّس عن ما نسميه بالزمان والمكان». فالذين وفُقوا في يوم الله الجديد إلى الإقرار بالحقيقة الرّبانية المشرقة عن رسوله – حضرة بهاءالله، وفازوا بخدمة أمره وإظهار نوره، فإن الموت لا يصيبهم. «الكأس التي هي عين الحياة. أنها تفيض بصهباء الفرح والسرور وتهب الحياة الأبدية... والذين ذاقوا ثمرة الحياة الأولى التى هى الإقرار بالله الواحد الحق، فحياتهم في الآخرة مما لايمكن وصفه إن علمها عند رب العالمين».(13) «يا ابْنَ الرماد – لا تقنع براحه اليوم وتحرم نفسك عن الراحة الأبدية ولا تبدل السرور الباقي بالتراب الفانى فاخرج من سجنك وأعرج إلى الرياض الأنيقة العالية، ومن قفص الإمكان طر إلى رضوان اللامكان».(14) (حضرة بهاء الله) ومن اتبع هذا النصح فقد كَسَرَ أغلاله وذاق حلاوة الحُب وحَصُلَ على مرغوب قلبه، ووضع روحه بين يدي محبوبه، ولما ينطلق من قفصه يطير كطائر الروح إلى عشه المقدس الباقي. «يا عبادى، لاتحزنوا إذا كانت الأحوال في هذه الأيام تسير وتظهر في هذه الدنيا بتقدير الله على غير ما تشتهون، فإن أيام الفرح العظيم والسرور الإلهي مكنونة لكم. وسوف تنكشف لأعينكم العوالم المقدسة الروحانية فقد قدّر لكم من لدّنه نصيب من الخير والفرح والنعيم في الأولى والآخرة ولسوف تحصلون عليها».(15) «إذا آمنتم بي وعملتم ما خُبَّرتْمُ به فأجعلكم أحباء نفسي في جبروت عظمتي، وأصحاب كمالي وملكوت عزي إلى الأبد».(16) المصادر 1. حضرة بهاء الله – الكلمات المكنونه العربيه. 2. حضرة عبد البهاء – من مفاوضات حضرة عبد البهاء. 3. المصدر السابق. 4. المصدر السابق. 5. المصدر السابق. 6. المصدر السابق. 7. المصدر السابق. 8. المصدر السابق. 9. المصدر السابق. 10. المصدر السابق. 11. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 12. حضرة عبد البهاء – من مفاوضات حضرة عبد البهاء 13. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 14. حضرة بهاء الله – الكلمات المكنونة الفارسية (مترجم) 15. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 16. المصدر السابق. تابعونا على صفحتنا علي الفيسبوك المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع تقييم الموضوع : 1 2 3 4 5 تعليقات القراء

شاهد الموضوع الأصلي من الأقباط متحدون في الرابط التالي http://www.copts-united.com/Arabic2011/Article.php?I=1356&A=38224
المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع الكاتب راندا الحمامصى جميع مقالات الكاتب راسل الكاتب أحدث مقالات الكاتب: نظرة البهائيّة للجنس الجبر والاختيار تقدّم البشرية نحو السلام هذا يوم الله (يوم الرب) ملكوت الآب السماوي طباعة الصفحة فهرس مساحة رأي أرسل الصفحة لأصدقائك : Email This Share to Facebook Share to Twitter Delicious Digg MySpace Google More... تقييم الموضوع : ..... ٠ أصوات مشاركة فى التقييم جديد الموقع نائب رئيس الطائفة الإنجيلية: انسحاب الكنائس الثلاثة موقف جماعى وليس فردى صفوت البياضى للمتحدون: الكنيسة الإنجيلية لم تنسحب من التأسيسية ولم يدعونا أحد للمشاركة فى أي اجتماع للتنسيق فلسطيني بالتحرير: ننتظر سحب سفراء العرب من إسرائيل سما المصري: مرسي بلدياتي وعيلتي إخوان والغنوة ثورية البلتاجي وحجازي: يامرسي قول لهنية.. أوعى يسيب البندقية طفل يشعل المظاهرات ضد إسرائيل في جمعة نصرة غزة اليوم السابع: دموع قنديل فى غزة.. وتحذيرات مرسى من القاهرة وائل غنيم لـ"آخر النهار": القضية الفلسطينية تهم كل عربى مسلم ومسيحى.. ثورة يناير تطبيق للشريعة الإسلامية.. وصول الصراع السياسى للشارع خسارة للجميع.. الشعب جاهز للديمقراطية لكن النخبة "مش" جاهزة مساحة رأي نغماتُ الرّوح الجمعة ١٧ يونيو ٢٠١١ - ٠٠: ١٢ ص +01:00 CET حجم الخط : - + بقلم: راندا الحمامصي «إعتبروا الموت بأنه عين الحياة» حضرة عبدالبهاء إن التعاليم البهائية عن سر الموت والحياة، وهو السر المكنون خلف حجاب الغموض والإبهام من شأنها أن تهب العقول الحائرة والقلوب الحزينة رسالة مشرقة بالأمل والعزاء، وتدفعها شوقاً إلى الحياة النبيلة، لأن حضرة بهاء الله رسول الحق في هذه الدورة الجديدة، وابنه حضرة عبد البهاء المبين لتعاليمه، قد أزاحا بعض الستر الذى يحجب ذلك الخفاء، وكشفا عن الشئ الذى كان يبدو عبثاً وعقيماً. ولكن أسرار الحياة الأخرى ومكنونات الكون مما لايمكن الكشف عنها كاملاً طالما أن لغة البشر هى بالقياس كلغة الأطفال بحيث يكون من المستحيل علينا في هذه الحياة الدنيا أن نفهم هذه الحقيقة فهماً دقيقاً. غير أنه لابد لنا من فهم طائفة من الحقائق من شأنها أن تنير أفكارنا وتحيط جهودنا في حياتنا الأرضية بالإلهام والإرشاد. ولذلك يبدو أن من الضرورى لكي نعرف شيئاً عن كُنه الوجود في الحياة الآخرى، أن نفهم غاية هذه الحياة وبأي نظرة يجب أن ننظر إليها. عالم الأجنّة تعلمنا أن حياة الجسد ماهى إلا مرحلة الجنين من وجودنا ويمكن تشبيهها بالجنين في رحم الأم. حيث ينمو ويترقى في الهيئة والملكات التى يحتاج إليها في العالم الآلي. وكذلك الإنسان يحتاج في حياته الأرضيه إلى تنمية قواه الكامنة وقابلياته أى الصفات الروحانية التى ليست فقط تمكنه من مغالبة الحياة والحصول على السعادة الروحية بل أيضاً تهيّئهُ عند الممات لميلاد جديد في الحياة الآخرى. وعلى هذا تكون الغاية من الحياة على الأرض ليست سوى مرحلة لتمكين الإنسان من تنمية ملكاته بالاستفادة من التجارب التى يجتازها في حالات الفرح والحزن والكفاح والتحصيل والنشاط الموجه توجيهاً صحيحاً، فالمحبة والصفاء والتواضع وإنكار الذات والإستقامة والحكمة والإيمان وخدمة الإنسانية هى الصفات التى عليها تقدم حياته في عوالم الخلد. «يا ابْنَ الرّوح – في أول القول أملك قلباً جيداً حسناً منيراً لتملك ملكاً دائماً باقياً أزلاً قديماً».(1) الجسم العنصري يتفضل حضرة عبد البهاء (مترجماً) «أن الأجسام المادية كما نعلم مكونة من ذرات، فإذا بدأت هذه الذرات في التفرق دبّ الإنحلال ويأتي مانسميه الموت. وهذا التكوين الذرى الذى يتركب منه الجسم أو العنصر الفاني في كل مخلوق هو مؤقت، فإذا إنعدمت قوة الجاذبية التى تؤلف بين هذه العناصر توقف البدن عن الحياة. أما في الروح فالأمر يختلف لأن الروح ليست مركبه من عناصر متحدة أو مكونة من مجموعة ذرات، ولكنها من جوهر واحد لا يتجزأ وهى لذلك خالدة، وبما أنها خارجة بالكلية عن نظام التكوين المادى فلا يعتريها فناء».(2) وعلى هذا يكون أن الجسم المادى ليس إلاّ غطاءً للروح، وهو واسطة التعبير في عالم المادة، فإذا تنحى الغطاء جانباً تحررت الروح من عقالها، ويمكن ببساطة أن نشبه مرحلة الإنتقال هذه باليرقة التى تخرج من سجن الشرنقة في هيئة فراشة تنطلق إلى آفاق جديدة. إلى دنيا أوسع وأفسح من النور والحرية. ومع ذلك فهذا التشبيه لا يعتبر منطبقاً من كل الوجوه، لأن الروح ليست داخلة في الجسد بل متعلقة به أو بعبارة آخرى منعكسة عليه كما تنعكس الشمس على المرآة فاٍذا كسرت المرآة لن تتأثر شمس الروح. فالروح إذاً تستطيع أن تقوم بوظائفها بوساطة الصورة الآلية وبغير وساطتها على حد سواء، ولنا في حاله النوم مثال لقوى الروح المستقلة حيث نجد وقد توقفت كل القوى الآلية – إننا نستطيع أن نرى ونسمع وننتقل بل ونعرف في بعض الأحيان أشياء لم نكن نعرفها ونحن في حالة اليقظة. فالجسم محدود بالحيز والرؤية ولكن الروح لا ترى وليس لها حيز، والزمان والمكان هو من خصائص الأجسام وحدها. الروح والعقل والنفس كثيراً ما يختلط الأمر في تعريف الروح والعقل والنفس، ويكاد يكون الخلاف بين مصطلحات أهل الفلسفة القديمة والحديثة وبين الأديان. إلا أن كل الديانات العظيمة تقول باستمرار الحياة وبأن الروح الإنسانى خالد. وتتفق مع هذا القول الفلسفة العلمية حيث دللت على «أن الجوهر البسيط – والبسيط هنا معناه غير المركب – هو لهذا السبب غير قابل للفناء. ولما كانت الروح ليست كالجسم الذى هو عبارة عن عناصر مركبة وكانت بطبيعتها جوهراً بسيطاً كان من المستحيل أن يعتريها فناء... أى أنها لا يمكن أن يطرأ عليها إنحلال أو فناء ولذلك فلا يوجد سبب لأن يكون لها نهاية».(3) ولكن ما هى النفس؟ يعرفها حضرة عبد البهاء بأنها «هى القوة المحركة لهذا الجسم الآلى الذى يعيش تحت سلطانها الكامل ويتحرك بإرادتها. وللنفس وظيفتان رئيسيتان، فكما أن المؤثرات الخارجية تتصل بالنفس عن طريق العين والأذن والمخ كذلك تقوم النفس بتوصيل رغباتها ومطالبها عن طريق المخ إلى اليد واللسان للجسم الآلى. وتعبر بهذه الواسطة عن نفسها. أما الروح المتعلقة بالنفس أو المضيئة عن طريق النفس فهى جوهر الحياة. والوظيفة الثانية للنفس فإنها تحدث في عالم الرؤيا حيث يكون للنفس التى تتعلق بها الروح وجودها الخاص ووظائفها دون حاجة إلى مساعدة الحواس المادية.فهناك في عالم الرؤيا النفس ترى بغير مساعدة العين الآليه وتسمع بدون مساعدة الأذن المادية. وتنتقل بدون الإعتماد على الحركة المادية. إذاً يكون من الواضح أن الروح المتعلقة بنفس الإنسان (أو المضيئة عن طريقها) يمكنها أن تعمل بواسطة الحواس المادية ويمكنها أيضاً أن تحيّ وتعمل بدون معونتها كما في عالم الرؤيا»(4) الإنسان حر بين أن يدير مرآة نفسه نحو نور الروح وبين أن يحولها نحو الجانب المظلم المادي الحيوانى من طبيعته. «فإذا توجهت النفس إلى العالم المادى ظلت مظلمة ولكن إذا أصبحت مهبط المواهب العقلية تبدّل ظلامها نوراً وتعسفها عدلاً، وجهلها حكمة، ووحشيتها محبة ورحمة، ويتحرر الإنسان من الأنانية ويخلص من العالم المادي»(5) وكذلك العقل فإن له وجوداً معنوياً. واتصاله وعلاقته بالمخ فقط. المخ يستخدمه العقل واسطة للتعبير عن النشاط الروحي والفكري. والعقل هو القوة التى تُمَكّن الإنسان من أن يكتشف أسرار الوجود وتمده بالقدرة التى يُمَحّص بها حقائق الأشياء. فهو بمثابة التعبير الفردى للعقل الكلى الواحد، وبرهان خلود الإنسان، «فالعقل الإنسانى إذا استنار بنور الروح يجعل صاحبه تاج الخليقة؛ هذه هى قوة العقل لأن النفس بمفردها ليست قادرة على كشف أسرار الكون ولكن العقل قادر على ذلك ولهذا فهو قوة أسمى من النفس»(6) ولكن هناك قوة أخرى – قوة ثالثة للإنسان – وهى غير النفس والعقل، وهذة القوة الثالثة هى نور شمس الحقيقة وشعاع من العالم السماوى، هى روح الإيمان التى يشير إليها المسيح بقوله: «المولود من الجسد جسد والمولود من الروح هو روح» ثم يقرنه بالتحذير قوله: «من لم يكن له نصيب من الروح فهو كالميت» ومعنى هذا هو ولو أنه قدّر لكل النفوس أن تحيا بعد مفارقتها الجسد ولكنها تعتبر في حكم الموت إذا قورنت بالنفوس التى حيت بالروح واستمدت حياتها من روح الإيمان، وتلك هى روح القدس التى تنبعث كشعاع الشمس من المظاهر الآلهية الذين يظهرون في العالم بين وقت وآخر، ليساعدوا الإنسانية على رقيها الروحى ومن هؤلاء كان عيسى ومحمد وبوذا وغيرهم من المظاهر العظيمة السابقة. وكل الكائنات سواء أدركوا أو لم يدركوا، وسواء أكانوا في هذا العالم أم في العالم الآخر، هم مهابط أنوارهم ولهم نصيب من بركاتهم. وعلى ذلك إذا فنى الجسم العنصرى فإن الإنسان يستمر مع هذا حياً بروحه وعقله مستمداً حياته من روح الإيمان ويدخل في قصر من القصور المتعددة، أى في اليقظة والإدراك الروحى بحسب الدرجة التى حصل عليها في مرحلة حياته الأرضية. الجنة والنار نجد في كتب الأديان المختلفة المقدسة كالتوراة والإنجيل والقرآن، تصويراً حياً رائعاً لحالة الروح بعد الموت. ولكن هذا التصوير لم يكن إلا رمزاً لا يجوز أخذه على ظاهره أو تفسيره حرفياً. والعبارات المستعملة من قبيل الثواب والعقاب، والسماء والهاوية، وجنات الفردوس والظلمة وأمثالها، إنما يراد بها تصوير كيفية تنكشف حقيقتها في العالم الآخر وهى حالة الفرق في مراتب الإدراك بين الذين جاهدوا في إتباع مُثل طبيعتهم العلوية، ونمو قواهم الرّوحية، وصاروا من «المولود من الروح» وبين الذين غفلوا عن ذلك. فالجنة والنار ليست أماكن بل حالات للروح ويستطيع الإنسان أن ينعم ببعض بشارات الملكوت وهى المواهب الروحانية، وبيده كذلك أن يذوق عذاب جهنم الذى هو عباره عن الحرمان من هذه المواهب حتى ولو كان لا يزال يحيا بجسده وعلى ذلك فجهنم هى فقدان الترقي الروحاني. «وأما المكافأه الآخروية فهى الكمالات والنعم التى يحصل عليها في العوالم الروحانية بعد العروج من هذا العالم، وهذه المكافأة الأخروية هى نعم وألطاف روحانية كالنعم الروحانية في الملكوت الإلهي والحصول على مرغوب القلب والروح. وكذلك المجازات الأخروية، يعنى العذاب الآخروي، هو عبارة عن الحرمان من العنايات الإلهية الخاصة والمواهب الرحمانية والسقوط في أسفل الدركات الوجودية. وكل من يكون محروماً من هذه الألطاف الإلهية ينطبق عليه حكم الأموات عند أهل الحقيقة».(7) فتفاوت البشر في مراتب الأخلاق والكمالات الروحانية وهو التفاوت الذى كثيراً ماتحجبه عوامل البيئة والجاه والثروة والثقافة – سوف تنكشف حقيقته في العالم الآخر، حيث يكون مدى الحياة أوسع مما هو على هذه الأرض. والفرق كبير بين الحالتين، بقدر الفرق بين الجماد والإنسان الكامل. تفضل حضرة بهاء الله: «حقا أقول إن في نفوس الناس مَكْمَنَ عِزّ هم الوحيد. وإن غنى وسعادة العالم الآخر هى في نبل الأخلاق وطهارة القلب وسمو الروح». (مترجم) وحدة الدارين إن الإنفصال الذى نتصوره بين هذا العالم المنظور، وبين العوالم الخفية الآخرى، إنما مرجعه حواسنا البشرية لأن جميعها تكون في الحقيقة كوناً واحداً تتوقف أجزاؤه كل على الأخرى، وتتصل اتصالاً وثيقاً فيما بينها. فالأحياء على الأرض والذين انتقلوا بالتغيير المترتب على حدوث الموت يربطهما نظام واحد في الحالتين. وعلى ذلك كان الإفتراق عن من نحب افتراقاً جسمياً لا أكثر لأن بين المنظور وغير المنظور إتصالاً دائماً. وقد يصبح حقيقة ثابتة عند من أوتى استعداداً كافياً لمثل هذا الإتصال العلوى. بينما يظل الآخرون جاهلين بسره. أما الأنبياء، وكثير من الأولياء فإتصالهم بهذا العالم والعالم الآخر طبيعى وحقيقى. «ويوجد بين الروحانيين إدراكات روحانية وإكتشافات وجدانية مقدسة عن الوهم والقياس، وإتحاد وتآلف مُنَزَّه عن الزمان والمكان. مثلا مذكور في الإنجيل أن موسى وايليا أتيا عند المسيح في جبل طابور. فمن الواضح أن هذه الألفة لم تكن جسمانية، بل كانت كيفية روحانية عبّر عنها بالملاقاة – ولها حقيقة وآثار عجيبة في العقول والأفكار، ويظهر لها إنجذاب عظيم في القلوب».(8) ونحن عندما نكون في حالة استعداد للإتصال العلوي كما في حالة الأحلام، حيث تكون الروح ضعيفة التعلق بالبدن، تستطيع إلهامات العالم الآخر أن تصل إلينا وتتصل بسرعة البرق بالإدراك الواعي. وطبيعي أن تعترف التعاليم البهائية بصحة بعض القوى الروحية الخارقة. ولكنها تحذر من أن يكون الباعث على الإتصال بمن صعدوا مجرد التفكه أو الحصول على أشياء لأنفسنا. لأن الحقيقة جوهر مُنَزَّه عن المكان ولايتشكل في صورة من الصور. والإتصال الحقيقى بمن صعدوا – وهو اللقاء المؤكد المأمون – يمكن دائماً حصوله عن طريق المحبة والصلاة أى بالكيفية الروحانية. وأن من الحكمة ترك القوى النفسية الكامنة تأخذ طريقها الطبيعي في الإنكشاف التدريجي كلما إزداد الروح إلتصاقاً بالمثل العليا، التى هى حياة الطهر وعدم الأنانية.لأنه قد يكون في ظهور هذه القوى قبل إستكمال نضوجها تأثير على مركز الروح في العالم العلوي، حيث تبلغ أمثال هذه القوى تمام الفاعلية. الصلاة من أجل مَن صعدوا فُرضت على البهائيين الصلاة من أجل من يسمون (الأموات). وقد نزلت صلوات خاصة بهم منها صلاة بطلب المغفرة، وصلاة بطلب الهداية، وصلاة بطلب السعادة والترقي. لأن الترقى في العالم الآخر لايزال قانون الحياة، ولأن رحمة الله واسعة وملائكتة على الدوام مقربون. «إن الذين صعدوا اٍلى الله لهم أوصاف تخالف صفات الذين لم يلحقوا بهم. ولكن لايوجد فرق حقيقي بين الفريقين، ففي الصلاة يحصل الإتصال بهم إتصالاً حقيقياً. فَصَلُّوا لأجلهم كما يصلون لأجلكم... والتأثير الحقيقي هو في ذاك العالم وليس في هذا العالم».(9) وعلى ذلك فالصلاة من خلف الحجاب – أى ممن صعدوا أو ممن لايزالون على الأرض بعد – تصعد إلى الحقيقة الآلهية التى تطوف حول قدس ساحتها أرواح جميع البشر. الترقي الروحاني أن مجموع الشواهد العلمية المتزايدة، وكذلك جمعية الأبحاث النفسية تؤيد التعاليم البهائية في أن الروح بعد مفارقتة البدن يستمر في حياته ونشاطه في عوالم يكون فيها الزمان والمكان الحسي معدوم. وفي هذه الحالة التى يصبح الروح محرراً «تصير إحساساته أشد قوة وإدركاته أوسع وسعادته أوفر». والذين رقّوا إدراكهم الروحي، ينتظرهم مصير مجيد من الخلود والترقى الكمالي الغير محدود في عوالم الله التى لا تتناهى، وهو الترقي اللا متناهي في المحبة والحكمة والفرح. وكما أن الحب هو القانون الأساسى الذى يربط الأرواح هنا. فهو كذلك الذى يربط بينها هناك، ولكن في مقياس أوسع وأشد، حيث (معاشرة الأولياء) يكون جزءاً كاملاً للحياة الأبدية. «إن الأسرار التى لايعرفها الإنسان في هذه الدنيا تكون واضحة مكشوفة في العالم الآخر، وفيه نفهم أسرار الحق. فبالأحرى نعرف الأشخاص الذين كنا نعاشرهم. ولاشك أن النفوس المقدسة الذين يكون لهم قلب طاهر وبصيرة نافذة يطلّعون على جميع الأسرار في ملكوت الأنوار ويطلبون مشاهدة حقائق النفوس الكبار. ويرون جمال الله في ذلك العالم كذلك يرون أحباء الله من الأولين والآخرين مجموعين في الرفيق الأعلى».(10) وبما أن المحبة في هذا العالم هى سلطان الحياة فسيجد الذين توثقت بينهم روابط الحب والإخلاص الحقيقي أن هذه العلاقة قد أصبحت بالمعاشرة الروحية أمتن وأقوى بما يفوق بكثير ماكان يمكن أن تكون عليه في هذه الدنيا. بينما «لا يستطيع مخلوق أن يتصور ما أعده الله للمرء وزوجه من الإتحاد والوفاق» إذا كانا قد أسسا كيانهما الروحي على الحب المتبادل. ومع أن الأسرار التى تحيط بمسألة إئتلاف وإتحاد الأرواح في العالم العلوى كثيرة مستترة إلا أنه يمكننا أن نلمح بارقة من البشارة والجمال المودع فيهما – وهنا نتغنى كما تغنى الشاعر عندما قال إن علينا أن «نقبض على أحلى اللحظات من بين أحلامنا المحطمة» ونجرب ذاك الشيء الذى يرتفع عن كل تصور. ولكن يعترضنا سؤال وهو كيف يمكن الإحتفاظ بالشخصية الفردية للروح في العوالم العليا؟ كل ما نستطيعه في دائرة إدراكاتنا المحدودة هو أن نمسك بطرف هذا الخيط الدقيق. ففي روح الإنسان وعقله توجد كل القوى التى من شأنها أن تمكنه من الفوز بالحياة الخالدة. ومن ظهور ملكاته الروحانية في مراحل ترقياتها المضطردة. مثل ذلك كالبذرة الصغيرة الضئيلة فإن فيها توجد سائر خواص شجرة البلوط العاتية. ولما كانت الحركة هى القانون الأساسي للوجود فإن حالة الجمود لا وجود لها في عالم الروح. كما لا يمكن لهذه الحركة أن ترجعه إلى الوراء. بل أن المطلب الكلي لجميع حركات الروح هو الوصول إلى مرتبة الكمال. أما الهيكل أو الجسم الذى يتخذه الروح في ذلك المقام فإنه يكون في صورة موافقة للأفق والعالم الذى يحيا فيه. «بعد الصعود (صعود الروح) يحضر بين يدى الله في هيكل لائق بالبقاء ولائق بذلك العالم».(11) وطبيعي أن نظاماً كهذا لا يسمح برجوع الروح إلى حاله الأولى، ولنضرب مثلاً بالفراشة فإنها لايمكن أن تعود إلى حالتها الأولى أى الشرنقة، ولكن الصفات وبعض الخصائص والآثار لعالم الروح تعود مرة أخرى إلى حيز الشهود. وتساعد على تنوير عقول الأحداث الذين يولدون أصلا بفطرة سليمة. فنتائج تجارب الفرد في الحياة تضاف إلى الثروة العامة للإنسانية بينما يكون التعويض كاملاً في العالم الآخر عن المظالم التى حاقت بالكثيرين في هذه الدنيا، ولكن بشكل يفوق إدراكنا. ولما كانت الترقيات الروحانية قانوناً إلهياً. فإن الروح يستمر في تحصيلة للكمالات اللامتناهيه، ويطير دائماً في العوالم التى لا تتناهى. ولكن هذه التطورات أو الترقيات تكون في محيط الرتبة الإنسانية. بمعنى أنها لن تبلغ رتبة الربوبية. «قبل خلع هذا القالب العنصري وبعد خلعه على السواء يحصل الترقي في الكمالات وليس في الرتبة. فلا يوجد كائن آخر أرقى من الإنسان الكامل. ولكن عند ما يصل الإنسان إلى هذا المقام يترقى في الكمالات وليس في الرتبة... لأن الكمالات الإنسانية لا تتناهى، مثلا مهما تصل إليه حقيقة بطرس من الترقى فإنها لن تصل إلى رتبة المسيح، أنها تترقى فقط في محيطها الخاص».(12) وبناء على هذا فإن الروح الإنساني لا يصير إلهياً. والمخلوق لن يكون خالقاً. وقد يتساءل الإنسان أحياناً عن ماسوف يكون عليه حال الأطفال الذين يتوفون في الطفولة. والجواب هو أن هؤلاء الاطفال سيحيون بالتأكيد في العالم الآخر لأنهم اكتسبوا صفة الحياة بولادتهم في هذا العالم، وأنهم سيكونون في ظل المحبة والعناية الإلهية التى تساعد هذه الورود في النمو حتى تتفتح بالمجال الروحاني. أما كيف يجب أن يُنْظَر إلى الموت. فيجيب حضرة عبدالبهاء: «كما ينظر الإنسان إلى نهاية رحلة من الرحلات بالشوق والأمل. وهكذا الحال أيضاً بالنسبة لنهاية الرحلة الأرضية. ففي العالم الآخر يجد الإنسان نفسه متخلصاً من كثير من المتاعب التى يعانيها الآن. والذين رحلوا عنا بالموت لهم عالم خاص بهم ولكنه ليس منفصلاً عنا. فإن عملهم الملكوتي هو عملنا، ولكنه مقدّس عن ما نسميه بالزمان والمكان». فالذين وفُقوا في يوم الله الجديد إلى الإقرار بالحقيقة الرّبانية المشرقة عن رسوله – حضرة بهاءالله، وفازوا بخدمة أمره وإظهار نوره، فإن الموت لا يصيبهم. «الكأس التي هي عين الحياة. أنها تفيض بصهباء الفرح والسرور وتهب الحياة الأبدية... والذين ذاقوا ثمرة الحياة الأولى التى هى الإقرار بالله الواحد الحق، فحياتهم في الآخرة مما لايمكن وصفه إن علمها عند رب العالمين».(13) «يا ابْنَ الرماد – لا تقنع براحه اليوم وتحرم نفسك عن الراحة الأبدية ولا تبدل السرور الباقي بالتراب الفانى فاخرج من سجنك وأعرج إلى الرياض الأنيقة العالية، ومن قفص الإمكان طر إلى رضوان اللامكان».(14) (حضرة بهاء الله) ومن اتبع هذا النصح فقد كَسَرَ أغلاله وذاق حلاوة الحُب وحَصُلَ على مرغوب قلبه، ووضع روحه بين يدي محبوبه، ولما ينطلق من قفصه يطير كطائر الروح إلى عشه المقدس الباقي. «يا عبادى، لاتحزنوا إذا كانت الأحوال في هذه الأيام تسير وتظهر في هذه الدنيا بتقدير الله على غير ما تشتهون، فإن أيام الفرح العظيم والسرور الإلهي مكنونة لكم. وسوف تنكشف لأعينكم العوالم المقدسة الروحانية فقد قدّر لكم من لدّنه نصيب من الخير والفرح والنعيم في الأولى والآخرة ولسوف تحصلون عليها».(15) «إذا آمنتم بي وعملتم ما خُبَّرتْمُ به فأجعلكم أحباء نفسي في جبروت عظمتي، وأصحاب كمالي وملكوت عزي إلى الأبد».(16) المصادر 1. حضرة بهاء الله – الكلمات المكنونه العربيه. 2. حضرة عبد البهاء – من مفاوضات حضرة عبد البهاء. 3. المصدر السابق. 4. المصدر السابق. 5. المصدر السابق. 6. المصدر السابق. 7. المصدر السابق. 8. المصدر السابق. 9. المصدر السابق. 10. المصدر السابق. 11. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 12. حضرة عبد البهاء – من مفاوضات حضرة عبد البهاء 13. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 14. حضرة بهاء الله – الكلمات المكنونة الفارسية (مترجم) 15. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 16. المصدر السابق. تابعونا على صفحتنا علي الفيسبوك المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع تقييم الموضوع : 1 2 3 4 5 تعليقات القراء

شاهد الموضوع الأصلي من الأقباط متحدون في الرابط التالي http://www.copts-united.com/Arabic2011/Article.php?I=1356&A=38224
الجمعة ١٧ يونيو ٢٠١١ - ٠٠: ١٢ ص +01:00 CET حجم الخط : - + بقلم: راندا الحمامصي «إعتبروا الموت بأنه عين الحياة» حضرة عبدالبهاء إن التعاليم البهائية عن سر الموت والحياة، وهو السر المكنون خلف حجاب الغموض والإبهام من شأنها أن تهب العقول الحائرة والقلوب الحزينة رسالة مشرقة بالأمل والعزاء، وتدفعها شوقاً إلى الحياة النبيلة، لأن حضرة بهاء الله رسول الحق في هذه الدورة الجديدة، وابنه حضرة عبد البهاء المبين لتعاليمه، قد أزاحا بعض الستر الذى يحجب ذلك الخفاء، وكشفا عن الشئ الذى كان يبدو عبثاً وعقيماً. ولكن أسرار الحياة الأخرى ومكنونات الكون مما لايمكن الكشف عنها كاملاً طالما أن لغة البشر هى بالقياس كلغة الأطفال بحيث يكون من المستحيل علينا في هذه الحياة الدنيا أن نفهم هذه الحقيقة فهماً دقيقاً. غير أنه لابد لنا من فهم طائفة من الحقائق من شأنها أن تنير أفكارنا وتحيط جهودنا في حياتنا الأرضية بالإلهام والإرشاد. ولذلك يبدو أن من الضرورى لكي نعرف شيئاً عن كُنه الوجود في الحياة الآخرى، أن نفهم غاية هذه الحياة وبأي نظرة يجب أن ننظر إليها. عالم الأجنّة تعلمنا أن حياة الجسد ماهى إلا مرحلة الجنين من وجودنا ويمكن تشبيهها بالجنين في رحم الأم. حيث ينمو ويترقى في الهيئة والملكات التى يحتاج إليها في العالم الآلي. وكذلك الإنسان يحتاج في حياته الأرضيه إلى تنمية قواه الكامنة وقابلياته أى الصفات الروحانية التى ليست فقط تمكنه من مغالبة الحياة والحصول على السعادة الروحية بل أيضاً تهيّئهُ عند الممات لميلاد جديد في الحياة الآخرى. وعلى هذا تكون الغاية من الحياة على الأرض ليست سوى مرحلة لتمكين الإنسان من تنمية ملكاته بالاستفادة من التجارب التى يجتازها في حالات الفرح والحزن والكفاح والتحصيل والنشاط الموجه توجيهاً صحيحاً، فالمحبة والصفاء والتواضع وإنكار الذات والإستقامة والحكمة والإيمان وخدمة الإنسانية هى الصفات التى عليها تقدم حياته في عوالم الخلد. «يا ابْنَ الرّوح – في أول القول أملك قلباً جيداً حسناً منيراً لتملك ملكاً دائماً باقياً أزلاً قديماً».(1) الجسم العنصري يتفضل حضرة عبد البهاء (مترجماً) «أن الأجسام المادية كما نعلم مكونة من ذرات، فإذا بدأت هذه الذرات في التفرق دبّ الإنحلال ويأتي مانسميه الموت. وهذا التكوين الذرى الذى يتركب منه الجسم أو العنصر الفاني في كل مخلوق هو مؤقت، فإذا إنعدمت قوة الجاذبية التى تؤلف بين هذه العناصر توقف البدن عن الحياة. أما في الروح فالأمر يختلف لأن الروح ليست مركبه من عناصر متحدة أو مكونة من مجموعة ذرات، ولكنها من جوهر واحد لا يتجزأ وهى لذلك خالدة، وبما أنها خارجة بالكلية عن نظام التكوين المادى فلا يعتريها فناء».(2) وعلى هذا يكون أن الجسم المادى ليس إلاّ غطاءً للروح، وهو واسطة التعبير في عالم المادة، فإذا تنحى الغطاء جانباً تحررت الروح من عقالها، ويمكن ببساطة أن نشبه مرحلة الإنتقال هذه باليرقة التى تخرج من سجن الشرنقة في هيئة فراشة تنطلق إلى آفاق جديدة. إلى دنيا أوسع وأفسح من النور والحرية. ومع ذلك فهذا التشبيه لا يعتبر منطبقاً من كل الوجوه، لأن الروح ليست داخلة في الجسد بل متعلقة به أو بعبارة آخرى منعكسة عليه كما تنعكس الشمس على المرآة فاٍذا كسرت المرآة لن تتأثر شمس الروح. فالروح إذاً تستطيع أن تقوم بوظائفها بوساطة الصورة الآلية وبغير وساطتها على حد سواء، ولنا في حاله النوم مثال لقوى الروح المستقلة حيث نجد وقد توقفت كل القوى الآلية – إننا نستطيع أن نرى ونسمع وننتقل بل ونعرف في بعض الأحيان أشياء لم نكن نعرفها ونحن في حالة اليقظة. فالجسم محدود بالحيز والرؤية ولكن الروح لا ترى وليس لها حيز، والزمان والمكان هو من خصائص الأجسام وحدها. الروح والعقل والنفس كثيراً ما يختلط الأمر في تعريف الروح والعقل والنفس، ويكاد يكون الخلاف بين مصطلحات أهل الفلسفة القديمة والحديثة وبين الأديان. إلا أن كل الديانات العظيمة تقول باستمرار الحياة وبأن الروح الإنسانى خالد. وتتفق مع هذا القول الفلسفة العلمية حيث دللت على «أن الجوهر البسيط – والبسيط هنا معناه غير المركب – هو لهذا السبب غير قابل للفناء. ولما كانت الروح ليست كالجسم الذى هو عبارة عن عناصر مركبة وكانت بطبيعتها جوهراً بسيطاً كان من المستحيل أن يعتريها فناء... أى أنها لا يمكن أن يطرأ عليها إنحلال أو فناء ولذلك فلا يوجد سبب لأن يكون لها نهاية».(3) ولكن ما هى النفس؟ يعرفها حضرة عبد البهاء بأنها «هى القوة المحركة لهذا الجسم الآلى الذى يعيش تحت سلطانها الكامل ويتحرك بإرادتها. وللنفس وظيفتان رئيسيتان، فكما أن المؤثرات الخارجية تتصل بالنفس عن طريق العين والأذن والمخ كذلك تقوم النفس بتوصيل رغباتها ومطالبها عن طريق المخ إلى اليد واللسان للجسم الآلى. وتعبر بهذه الواسطة عن نفسها. أما الروح المتعلقة بالنفس أو المضيئة عن طريق النفس فهى جوهر الحياة. والوظيفة الثانية للنفس فإنها تحدث في عالم الرؤيا حيث يكون للنفس التى تتعلق بها الروح وجودها الخاص ووظائفها دون حاجة إلى مساعدة الحواس المادية.فهناك في عالم الرؤيا النفس ترى بغير مساعدة العين الآليه وتسمع بدون مساعدة الأذن المادية. وتنتقل بدون الإعتماد على الحركة المادية. إذاً يكون من الواضح أن الروح المتعلقة بنفس الإنسان (أو المضيئة عن طريقها) يمكنها أن تعمل بواسطة الحواس المادية ويمكنها أيضاً أن تحيّ وتعمل بدون معونتها كما في عالم الرؤيا»(4) الإنسان حر بين أن يدير مرآة نفسه نحو نور الروح وبين أن يحولها نحو الجانب المظلم المادي الحيوانى من طبيعته. «فإذا توجهت النفس إلى العالم المادى ظلت مظلمة ولكن إذا أصبحت مهبط المواهب العقلية تبدّل ظلامها نوراً وتعسفها عدلاً، وجهلها حكمة، ووحشيتها محبة ورحمة، ويتحرر الإنسان من الأنانية ويخلص من العالم المادي»(5) وكذلك العقل فإن له وجوداً معنوياً. واتصاله وعلاقته بالمخ فقط. المخ يستخدمه العقل واسطة للتعبير عن النشاط الروحي والفكري. والعقل هو القوة التى تُمَكّن الإنسان من أن يكتشف أسرار الوجود وتمده بالقدرة التى يُمَحّص بها حقائق الأشياء. فهو بمثابة التعبير الفردى للعقل الكلى الواحد، وبرهان خلود الإنسان، «فالعقل الإنسانى إذا استنار بنور الروح يجعل صاحبه تاج الخليقة؛ هذه هى قوة العقل لأن النفس بمفردها ليست قادرة على كشف أسرار الكون ولكن العقل قادر على ذلك ولهذا فهو قوة أسمى من النفس»(6) ولكن هناك قوة أخرى – قوة ثالثة للإنسان – وهى غير النفس والعقل، وهذة القوة الثالثة هى نور شمس الحقيقة وشعاع من العالم السماوى، هى روح الإيمان التى يشير إليها المسيح بقوله: «المولود من الجسد جسد والمولود من الروح هو روح» ثم يقرنه بالتحذير قوله: «من لم يكن له نصيب من الروح فهو كالميت» ومعنى هذا هو ولو أنه قدّر لكل النفوس أن تحيا بعد مفارقتها الجسد ولكنها تعتبر في حكم الموت إذا قورنت بالنفوس التى حيت بالروح واستمدت حياتها من روح الإيمان، وتلك هى روح القدس التى تنبعث كشعاع الشمس من المظاهر الآلهية الذين يظهرون في العالم بين وقت وآخر، ليساعدوا الإنسانية على رقيها الروحى ومن هؤلاء كان عيسى ومحمد وبوذا وغيرهم من المظاهر العظيمة السابقة. وكل الكائنات سواء أدركوا أو لم يدركوا، وسواء أكانوا في هذا العالم أم في العالم الآخر، هم مهابط أنوارهم ولهم نصيب من بركاتهم. وعلى ذلك إذا فنى الجسم العنصرى فإن الإنسان يستمر مع هذا حياً بروحه وعقله مستمداً حياته من روح الإيمان ويدخل في قصر من القصور المتعددة، أى في اليقظة والإدراك الروحى بحسب الدرجة التى حصل عليها في مرحلة حياته الأرضية. الجنة والنار نجد في كتب الأديان المختلفة المقدسة كالتوراة والإنجيل والقرآن، تصويراً حياً رائعاً لحالة الروح بعد الموت. ولكن هذا التصوير لم يكن إلا رمزاً لا يجوز أخذه على ظاهره أو تفسيره حرفياً. والعبارات المستعملة من قبيل الثواب والعقاب، والسماء والهاوية، وجنات الفردوس والظلمة وأمثالها، إنما يراد بها تصوير كيفية تنكشف حقيقتها في العالم الآخر وهى حالة الفرق في مراتب الإدراك بين الذين جاهدوا في إتباع مُثل طبيعتهم العلوية، ونمو قواهم الرّوحية، وصاروا من «المولود من الروح» وبين الذين غفلوا عن ذلك. فالجنة والنار ليست أماكن بل حالات للروح ويستطيع الإنسان أن ينعم ببعض بشارات الملكوت وهى المواهب الروحانية، وبيده كذلك أن يذوق عذاب جهنم الذى هو عباره عن الحرمان من هذه المواهب حتى ولو كان لا يزال يحيا بجسده وعلى ذلك فجهنم هى فقدان الترقي الروحاني. «وأما المكافأه الآخروية فهى الكمالات والنعم التى يحصل عليها في العوالم الروحانية بعد العروج من هذا العالم، وهذه المكافأة الأخروية هى نعم وألطاف روحانية كالنعم الروحانية في الملكوت الإلهي والحصول على مرغوب القلب والروح. وكذلك المجازات الأخروية، يعنى العذاب الآخروي، هو عبارة عن الحرمان من العنايات الإلهية الخاصة والمواهب الرحمانية والسقوط في أسفل الدركات الوجودية. وكل من يكون محروماً من هذه الألطاف الإلهية ينطبق عليه حكم الأموات عند أهل الحقيقة».(7) فتفاوت البشر في مراتب الأخلاق والكمالات الروحانية وهو التفاوت الذى كثيراً ماتحجبه عوامل البيئة والجاه والثروة والثقافة – سوف تنكشف حقيقته في العالم الآخر، حيث يكون مدى الحياة أوسع مما هو على هذه الأرض. والفرق كبير بين الحالتين، بقدر الفرق بين الجماد والإنسان الكامل. تفضل حضرة بهاء الله: «حقا أقول إن في نفوس الناس مَكْمَنَ عِزّ هم الوحيد. وإن غنى وسعادة العالم الآخر هى في نبل الأخلاق وطهارة القلب وسمو الروح». (مترجم) وحدة الدارين إن الإنفصال الذى نتصوره بين هذا العالم المنظور، وبين العوالم الخفية الآخرى، إنما مرجعه حواسنا البشرية لأن جميعها تكون في الحقيقة كوناً واحداً تتوقف أجزاؤه كل على الأخرى، وتتصل اتصالاً وثيقاً فيما بينها. فالأحياء على الأرض والذين انتقلوا بالتغيير المترتب على حدوث الموت يربطهما نظام واحد في الحالتين. وعلى ذلك كان الإفتراق عن من نحب افتراقاً جسمياً لا أكثر لأن بين المنظور وغير المنظور إتصالاً دائماً. وقد يصبح حقيقة ثابتة عند من أوتى استعداداً كافياً لمثل هذا الإتصال العلوى. بينما يظل الآخرون جاهلين بسره. أما الأنبياء، وكثير من الأولياء فإتصالهم بهذا العالم والعالم الآخر طبيعى وحقيقى. «ويوجد بين الروحانيين إدراكات روحانية وإكتشافات وجدانية مقدسة عن الوهم والقياس، وإتحاد وتآلف مُنَزَّه عن الزمان والمكان. مثلا مذكور في الإنجيل أن موسى وايليا أتيا عند المسيح في جبل طابور. فمن الواضح أن هذه الألفة لم تكن جسمانية، بل كانت كيفية روحانية عبّر عنها بالملاقاة – ولها حقيقة وآثار عجيبة في العقول والأفكار، ويظهر لها إنجذاب عظيم في القلوب».(8) ونحن عندما نكون في حالة استعداد للإتصال العلوي كما في حالة الأحلام، حيث تكون الروح ضعيفة التعلق بالبدن، تستطيع إلهامات العالم الآخر أن تصل إلينا وتتصل بسرعة البرق بالإدراك الواعي. وطبيعي أن تعترف التعاليم البهائية بصحة بعض القوى الروحية الخارقة. ولكنها تحذر من أن يكون الباعث على الإتصال بمن صعدوا مجرد التفكه أو الحصول على أشياء لأنفسنا. لأن الحقيقة جوهر مُنَزَّه عن المكان ولايتشكل في صورة من الصور. والإتصال الحقيقى بمن صعدوا – وهو اللقاء المؤكد المأمون – يمكن دائماً حصوله عن طريق المحبة والصلاة أى بالكيفية الروحانية. وأن من الحكمة ترك القوى النفسية الكامنة تأخذ طريقها الطبيعي في الإنكشاف التدريجي كلما إزداد الروح إلتصاقاً بالمثل العليا، التى هى حياة الطهر وعدم الأنانية.لأنه قد يكون في ظهور هذه القوى قبل إستكمال نضوجها تأثير على مركز الروح في العالم العلوي، حيث تبلغ أمثال هذه القوى تمام الفاعلية. الصلاة من أجل مَن صعدوا فُرضت على البهائيين الصلاة من أجل من يسمون (الأموات). وقد نزلت صلوات خاصة بهم منها صلاة بطلب المغفرة، وصلاة بطلب الهداية، وصلاة بطلب السعادة والترقي. لأن الترقى في العالم الآخر لايزال قانون الحياة، ولأن رحمة الله واسعة وملائكتة على الدوام مقربون. «إن الذين صعدوا اٍلى الله لهم أوصاف تخالف صفات الذين لم يلحقوا بهم. ولكن لايوجد فرق حقيقي بين الفريقين، ففي الصلاة يحصل الإتصال بهم إتصالاً حقيقياً. فَصَلُّوا لأجلهم كما يصلون لأجلكم... والتأثير الحقيقي هو في ذاك العالم وليس في هذا العالم».(9) وعلى ذلك فالصلاة من خلف الحجاب – أى ممن صعدوا أو ممن لايزالون على الأرض بعد – تصعد إلى الحقيقة الآلهية التى تطوف حول قدس ساحتها أرواح جميع البشر. الترقي الروحاني أن مجموع الشواهد العلمية المتزايدة، وكذلك جمعية الأبحاث النفسية تؤيد التعاليم البهائية في أن الروح بعد مفارقتة البدن يستمر في حياته ونشاطه في عوالم يكون فيها الزمان والمكان الحسي معدوم. وفي هذه الحالة التى يصبح الروح محرراً «تصير إحساساته أشد قوة وإدركاته أوسع وسعادته أوفر». والذين رقّوا إدراكهم الروحي، ينتظرهم مصير مجيد من الخلود والترقى الكمالي الغير محدود في عوالم الله التى لا تتناهى، وهو الترقي اللا متناهي في المحبة والحكمة والفرح. وكما أن الحب هو القانون الأساسى الذى يربط الأرواح هنا. فهو كذلك الذى يربط بينها هناك، ولكن في مقياس أوسع وأشد، حيث (معاشرة الأولياء) يكون جزءاً كاملاً للحياة الأبدية. «إن الأسرار التى لايعرفها الإنسان في هذه الدنيا تكون واضحة مكشوفة في العالم الآخر، وفيه نفهم أسرار الحق. فبالأحرى نعرف الأشخاص الذين كنا نعاشرهم. ولاشك أن النفوس المقدسة الذين يكون لهم قلب طاهر وبصيرة نافذة يطلّعون على جميع الأسرار في ملكوت الأنوار ويطلبون مشاهدة حقائق النفوس الكبار. ويرون جمال الله في ذلك العالم كذلك يرون أحباء الله من الأولين والآخرين مجموعين في الرفيق الأعلى».(10) وبما أن المحبة في هذا العالم هى سلطان الحياة فسيجد الذين توثقت بينهم روابط الحب والإخلاص الحقيقي أن هذه العلاقة قد أصبحت بالمعاشرة الروحية أمتن وأقوى بما يفوق بكثير ماكان يمكن أن تكون عليه في هذه الدنيا. بينما «لا يستطيع مخلوق أن يتصور ما أعده الله للمرء وزوجه من الإتحاد والوفاق» إذا كانا قد أسسا كيانهما الروحي على الحب المتبادل. ومع أن الأسرار التى تحيط بمسألة إئتلاف وإتحاد الأرواح في العالم العلوى كثيرة مستترة إلا أنه يمكننا أن نلمح بارقة من البشارة والجمال المودع فيهما – وهنا نتغنى كما تغنى الشاعر عندما قال إن علينا أن «نقبض على أحلى اللحظات من بين أحلامنا المحطمة» ونجرب ذاك الشيء الذى يرتفع عن كل تصور. ولكن يعترضنا سؤال وهو كيف يمكن الإحتفاظ بالشخصية الفردية للروح في العوالم العليا؟ كل ما نستطيعه في دائرة إدراكاتنا المحدودة هو أن نمسك بطرف هذا الخيط الدقيق. ففي روح الإنسان وعقله توجد كل القوى التى من شأنها أن تمكنه من الفوز بالحياة الخالدة. ومن ظهور ملكاته الروحانية في مراحل ترقياتها المضطردة. مثل ذلك كالبذرة الصغيرة الضئيلة فإن فيها توجد سائر خواص شجرة البلوط العاتية. ولما كانت الحركة هى القانون الأساسي للوجود فإن حالة الجمود لا وجود لها في عالم الروح. كما لا يمكن لهذه الحركة أن ترجعه إلى الوراء. بل أن المطلب الكلي لجميع حركات الروح هو الوصول إلى مرتبة الكمال. أما الهيكل أو الجسم الذى يتخذه الروح في ذلك المقام فإنه يكون في صورة موافقة للأفق والعالم الذى يحيا فيه. «بعد الصعود (صعود الروح) يحضر بين يدى الله في هيكل لائق بالبقاء ولائق بذلك العالم».(11) وطبيعي أن نظاماً كهذا لا يسمح برجوع الروح إلى حاله الأولى، ولنضرب مثلاً بالفراشة فإنها لايمكن أن تعود إلى حالتها الأولى أى الشرنقة، ولكن الصفات وبعض الخصائص والآثار لعالم الروح تعود مرة أخرى إلى حيز الشهود. وتساعد على تنوير عقول الأحداث الذين يولدون أصلا بفطرة سليمة. فنتائج تجارب الفرد في الحياة تضاف إلى الثروة العامة للإنسانية بينما يكون التعويض كاملاً في العالم الآخر عن المظالم التى حاقت بالكثيرين في هذه الدنيا، ولكن بشكل يفوق إدراكنا. ولما كانت الترقيات الروحانية قانوناً إلهياً. فإن الروح يستمر في تحصيلة للكمالات اللامتناهيه، ويطير دائماً في العوالم التى لا تتناهى. ولكن هذه التطورات أو الترقيات تكون في محيط الرتبة الإنسانية. بمعنى أنها لن تبلغ رتبة الربوبية. «قبل خلع هذا القالب العنصري وبعد خلعه على السواء يحصل الترقي في الكمالات وليس في الرتبة. فلا يوجد كائن آخر أرقى من الإنسان الكامل. ولكن عند ما يصل الإنسان إلى هذا المقام يترقى في الكمالات وليس في الرتبة... لأن الكمالات الإنسانية لا تتناهى، مثلا مهما تصل إليه حقيقة بطرس من الترقى فإنها لن تصل إلى رتبة المسيح، أنها تترقى فقط في محيطها الخاص».(12) وبناء على هذا فإن الروح الإنساني لا يصير إلهياً. والمخلوق لن يكون خالقاً. وقد يتساءل الإنسان أحياناً عن ماسوف يكون عليه حال الأطفال الذين يتوفون في الطفولة. والجواب هو أن هؤلاء الاطفال سيحيون بالتأكيد في العالم الآخر لأنهم اكتسبوا صفة الحياة بولادتهم في هذا العالم، وأنهم سيكونون في ظل المحبة والعناية الإلهية التى تساعد هذه الورود في النمو حتى تتفتح بالمجال الروحاني. أما كيف يجب أن يُنْظَر إلى الموت. فيجيب حضرة عبدالبهاء: «كما ينظر الإنسان إلى نهاية رحلة من الرحلات بالشوق والأمل. وهكذا الحال أيضاً بالنسبة لنهاية الرحلة الأرضية. ففي العالم الآخر يجد الإنسان نفسه متخلصاً من كثير من المتاعب التى يعانيها الآن. والذين رحلوا عنا بالموت لهم عالم خاص بهم ولكنه ليس منفصلاً عنا. فإن عملهم الملكوتي هو عملنا، ولكنه مقدّس عن ما نسميه بالزمان والمكان». فالذين وفُقوا في يوم الله الجديد إلى الإقرار بالحقيقة الرّبانية المشرقة عن رسوله – حضرة بهاءالله، وفازوا بخدمة أمره وإظهار نوره، فإن الموت لا يصيبهم. «الكأس التي هي عين الحياة. أنها تفيض بصهباء الفرح والسرور وتهب الحياة الأبدية... والذين ذاقوا ثمرة الحياة الأولى التى هى الإقرار بالله الواحد الحق، فحياتهم في الآخرة مما لايمكن وصفه إن علمها عند رب العالمين».(13) «يا ابْنَ الرماد – لا تقنع براحه اليوم وتحرم نفسك عن الراحة الأبدية ولا تبدل السرور الباقي بالتراب الفانى فاخرج من سجنك وأعرج إلى الرياض الأنيقة العالية، ومن قفص الإمكان طر إلى رضوان اللامكان».(14) (حضرة بهاء الله) ومن اتبع هذا النصح فقد كَسَرَ أغلاله وذاق حلاوة الحُب وحَصُلَ على مرغوب قلبه، ووضع روحه بين يدي محبوبه، ولما ينطلق من قفصه يطير كطائر الروح إلى عشه المقدس الباقي. «يا عبادى، لاتحزنوا إذا كانت الأحوال في هذه الأيام تسير وتظهر في هذه الدنيا بتقدير الله على غير ما تشتهون، فإن أيام الفرح العظيم والسرور الإلهي مكنونة لكم. وسوف تنكشف لأعينكم العوالم المقدسة الروحانية فقد قدّر لكم من لدّنه نصيب من الخير والفرح والنعيم في الأولى والآخرة ولسوف تحصلون عليها».(15) «إذا آمنتم بي وعملتم ما خُبَّرتْمُ به فأجعلكم أحباء نفسي في جبروت عظمتي، وأصحاب كمالي وملكوت عزي إلى الأبد».(16) المصادر 1. حضرة بهاء الله – الكلمات المكنونه العربيه. 2. حضرة عبد البهاء – من مفاوضات حضرة عبد البهاء. 3. المصدر السابق. 4. المصدر السابق. 5. المصدر السابق. 6. المصدر السابق. 7. المصدر السابق. 8. المصدر السابق. 9. المصدر السابق. 10. المصدر السابق. 11. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 12. حضرة عبد البهاء – من مفاوضات حضرة عبد البهاء 13. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 14. حضرة بهاء الله – الكلمات المكنونة الفارسية (مترجم) 15. حضرة بهاء الله – من الواح حضرة بهاء الله (مترجم) 16. المصدر السابق. تابعونا على صفحتنا علي الفيسبوك المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع تقييم الموضوع : 1 2 3 4 5 تعليقات القراء

شاهد الموضوع الأصلي من الأقباط متحدون في الرابط التالي http://www.copts-united.com/Arabic2011/Article.php?I=1356&A=38224